لبنان زورقاً يُغرَق بساكنيه
نيسان 26, 2022

جيرار ديب

حزنت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين "إزاء الحادث المأساوي الذي وقع قبالة ساحل طرابلس، بعد غرق قارب كان يقل أكثر من 84 شخصًا". هذا وتتواصل عمليات البحث والإنقاذ بحرًا وجوًا، بعد غرق المركب، الذي كان على متنه عشرات الأشخاص قبالة الشواطئ اللبنانية.

في الشكل هو انقلاب زورق قبالة سواحل طرابلس، حيث ذكر مسؤولون أن ثمانية أشخاص على الأقل لقوا حتفهم، بينهم طفلة، وأنقذ نحو 50 آخرين، ولا يزال الجيش يحاول العثور على ناجين، ليل السبت – الأحد. وكانت "رويترز" قد نقلت عن مصادر لبنانية أن المركب غادر شمال لبنان بشكل غير قانوني بهدف الهجرة. وفي المضمون، هو زورق من عشرات الزوارق التي تغادر خلسة لبنان بطرق غير شرعية إلى قبرص أو غيرها من دول يرى فيها المهاجر أرض الأحلام، هربًا من واقع يائس بائس، حيث تخلى المسؤول عن مسؤوليته في تشريع القوانين التي تحميه من عمليات الهدر والفساد، وحيث إن أحزابا تتلطى وراء حضورها ضمن مناطق نفوذها، وتحت شعارات دينية، بغرض التفاف الأحزاب من خلالها على فكرة قيام الدولة، معرقلة أداء مؤسساتها العسكرية والقضائية. إذ يتعالى الزعيم في "الدولة الرخوة" على سلطة القضاء، ويسيّر القانون بما يتناسب مع مصالحه، كي يصبح المسؤول أعلى من الدولة وتشريعاتها، وغير خاضع للمحاسبة.

يعرّف الاقتصادي السويدي غونار ميردال (1987) "الدولة الرخوة" بأنها "التي تضع السلطة فيها القوانين ولا تطبقها، ليس فقط لما فيها من ثغرات، ولكن لأن لا أحد يحترم القانون". ولمن يشاء أن يقارن بين ما كتبه غونار وما يعيشه اللبناني، وكيف يستطيع المسؤول التفلت من العقاب، وتعطيل دور القضاء، وعدم تطبيق قانون الكابيتول كونترول، واتباع التوظيف حسب المحسوبيات لا حسب الكفاءات، وأن يعمد إلى تهريب أمواله بالتواطؤ مع حاكم مصرف لبنان رياض سلامة.

في مقابل هذا، حجزت في المصارف أموال المودعين الذين لا "ظهر" يحميهم، ولا من يسأل عن مدّخراتهم ولا عن جنى عمرهم سوى بالشعارات الانتخابية والعنتريات النيابية التي يتسابق كل نائب لإطلاق التصريحات التي تؤكّد على حماية ودائعهم فقط على الورق. يدرك المواطن أنه يعيش في دولة غونار، وأنه بات محكوما عليه بدفع ثمن ما جنت يدا الزعيم من هدر وفساد وسرقة.

لا يتوقف الأمر عند من غرق في زوارق أطلق عليها راكبوها اسم "زوارق النجاة" من "جهنم"، هي الحالة التي صارحهم بها رئيس الجمهورية ميشال عون، إن لم تقدم الطبقة السياسية على فعل شيء من الإصلاحات والمحاسبة التي تحاكي طروحات صندوق النقد الدولي، كي تقدّم الدعم إلى لبنان الغريق. بل لبنان الكيان أصبح زورقًا، يتأرجح بين أمواج الفساد والتهرّب من العقاب، وعواصف الأوضاع الاقتصادية التي اعتبرتها الأمم المتحدة ثالث أسوأ أزمة اقتصادية خلال هذا القرن، والتي باتت تنعكس عبر ظواهر اجتماعية تتفاقم وتتكاثر مهددةً بغرق هذا الزورق الكبير، لبنان.

ظواهر اجتماعية باتت تؤرّق الداخل اللبناني، وتفقد ربّان السفينة القدرة على قيادة الزورق إلى بحر الأمان، بل تسارع في غرقه، ولكن المفارقة تكمن في أن الربّان (المسؤول) هو من يساعد على غرقه. فقر، وبطالة، وتشرّد، وجوع لا يرحم، ظواهر لا ترحم، في مقابل تلك الصورة السوداوية هناك زعيم يعمد إلى تحسين صورته قبل الانتخابات النيابية المنوي إجراؤها في 15 مايو/ أيار. جميعها عوامل مساعدة على زيادة الجريمة وتسريع وتيرة الهجرة من الداخل إلى الخارج، حيث بات اللبناني على يقين من أن لا حلول تلوح في الأفق، طالما لا اعتماد من الحكومة لطرح خطة التعافي المالي والاقتصادي، وطالما أن لا مجلس نيابيًا يعمد إلى تطبيق قانون الكابيتال كونترول الذي يحمي ما تبقى من ودائع للناس.

لم يعد الأمر يتوقف عند فشل المسؤول، ولا في تخلّيه عن طرح السياسات الاقتصادية التي من شأنها وقف نزيف التدهور الاقتصادي والمالي، بل عند فقدان الشعب ثقته في هذه الطبقة الحاكمة، إلا أن الأكيد أنه سيعيد انتخابها، بسبب القانون الانتخابي الذي وضعته تلك الطبقة، ويحاكي دوائرها الانتخابية ونسبة حظوظها في تأمين الحواصل الانتخابية كي تستطيع إيصال كتلها النيابية إلى سدة البرلمان.

صحيح أن لبنان اليوم يعيش التخبط الوجودي قبل الغرق الأخير، إلا أنّ المجتمع الدولي لا يريد من لبنان أن يمرّ بالارتطام النهائي، فزيارة بابا روما إلى لبنان، في منتصف يونيو/ حزيران المقبل، تأخذ طابعًا روحيًا ذا بعد دولي لدعم هذا البلد. كما يرى المتابعون في إعادة انتخاب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لولاية ثانية بمثابة جرعة أمل جديدة لهذا البلد، فقد عبّر غير مرّة عن نية بلاده لإنقاذ لبنان حتى ولو رفض ذلك مسؤولوه.

أخيرًا، قد لا يجد بعضهم بكل هذه الإيجابيات الدولية حول لبنان مرساة نجاة، لأنّهم يعتقدون أن الأزمة في الأساس بين الأفرقاء، نتيجة الممارسات الكيدية بين العهد وخصومه، فيضعون المشكلة في إصرار رئيس البلاد على السير في قانون "التدقيق الجنائي"، الذي يحاكم الإدارة العامة والمالية للبلاد منذ اتفاق الطائف. لهذا قد لا يكون هناك من يوقف غرقه إلا بتسوياتٍ تفبرك في المطابخ اللبنانية، على أساس القاعدة العامة التي طبخت بها اتفاق الطائف، تحت شعار "عفى الله عمّا مضى".

المصدر: العربي الجديد.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".