لبنان ضحية قوى الثورة المضادة وفساد سياسييه
آب 09, 2021

سعيد الشهابي
تعددت الاجتهادات والتحليلات والانتقادات في ذكرى انفجار بيروت الأولى. وتركز الاهتمام على الجوانب التقنية فحسب، بما في ذلك نوعيتها (نيترات الأمونيا) وكميتها (2750 طنا) والفترة التي مرت على تخزينها (اكثر من سبعة أعوام) وعدد ضحاياها (214 حالة وفاة واكثر من 6500 إصابة) وتشريد عشرات الآلاف من منازلهم التي تأثرت بالانفجار الذي تم تشبيهه بقنبلة هيروشيما. وبشكل عام كان اللوم يتركز على سوء أداء الحكومة ومسؤوليها، ولكن ما يزال الغموض يلف الجهة المسؤولة عن إحداث التفجير نفسه، وإن كان ثمة ترجيح بأن الكيان الإسرائيلي هو المتهم الأول.
كما تم التطرق للآثار الإنسانية التي نجمت عن تلك الكارثة التي أحدثت آلاما حادة وشروخا عميقة في المجتمع اللبناني. هذه الأبعاد التي تم تطرق لها بشكل واسع كشفت جانبا من الوضع اللبناني القلق الذي كان مضطربا قبل عام على الأقل من الانفجار. فمنذ اكتوبر 2019 بدأ حراك شعبي واسع احتجاجا على الأوضاع المعيشية التي تعيشها البلاد، والفساد السياسي. اندلعت في البداية بسبب الضرائب المخططة على البنزين والتبغ و‌المكالمات عبر الإنترنت على تطبيقات مثل واتساب، لكن سرعان ما توسعت لتصبح إدانة على مستوى الدولة للحكم القائم على المحاصصة الطائفية، ركود الاقتصاد، البطالة التي بلغت 46في المئة في 2018، الفساد المستشري في القطاع العام، التشريعات التي يُنظر إليها على أنها تحمي الطبقة الحاكمة من المساءلة (مثل السرية المصرفية) وإخفاقات الحكومة في توفير الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه والصرف الصحي. تلك الاحتجاجات خلقت أزمة سياسية حادة، حيث قدّم رئيس الوزراء سعد الحريري استقالته وكرر مطالب المحتجين بتشكيل حكومة من المتخصصين المستقلين. وبقي السياسيون الآخرون الذين استهدفتهم الاحتجاجات في السلطة. ثم جاءت أزمة كورونا وتراجعت الاحتجاجات ولكن لم تنته الأزمة.
ما مصدر المشاكل في لبنان إذن؟ هذا البلد العربي تميز منذ استقلاله قبل سبعين عاما بأمور عديدة: فهو البلد الذي احتضن أتباع الأديان والطوائف الذين تعايشوا طوال تاريخهم في وئام نسبي، في ما عدا خمسة عشر عاما خلال الحرب الأهلية (1975 ـ 1990). وهو البلد الذي منح أهله مستوى من الحرية لم يكن متاحا لأغلب الشعوب العربية. وهو بلد الثقافة والأدب والصحافة الحرة الذي ساهم في تنشئة أجيال من رواد الأدب والنهضة الثقافية الحديثة، بل أن أبناءه المغتربين أضافوا للثقافة العربية ما سمي «أدب المهجر» الذي صاغته قرائح الأدباء خارج الحدود ودرسته الأجيال العربية المتعاقبة. وهو البلد الذي حكمه دستور منذ استقلاله نظم حياته الديمقراطية التي لم تتعثر وان كان أثرها العملي محدودا. كما أنه البلد الذي تصدى للاحتلال وخاض معه حروبا عديدة، وهو البلد الوحيد الذي استطاع تحرير أرضه من الاحتلال بسواعد أبنائه وتضحياتهم. وأخيرا فهو البلد الذي بقي مقاوما للاحتلال ورافضا التطبيع معه برغم الضغوط المتواصلة عليه لمسايرة المهرولين للتطبيع. هذه الحقائق لا تنفي وجود فشل سياسي عميق في طبقات سياسييه، ولذلك أسبابه ومنها ما اصطلح على تسميته «الطائفية السياسية» التي عمّقت نظام المحاصصة وساهمت في شل توجهاته نحو النمو السياسي والاقتصادي.
لذلك يمكن الادعاء أن السمات الايجابية للنظام السياسي اللبناني هي نفسها التي أدت إلى تراجع اوضاعه في الأعوام الأخيرة. كما يمكن الادعاء بأن لبنان استهدف من قبل قوى الثورة المضادة لإجباره على مسايرة سياساتها الهادفة لأمرين أساسيين: الحفاظ على الاستبداد السياسي في المنطقة والتطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي.
أليس هذا ما حدث لتونس؟ فقد دابت الأنظمة العربية الغنية على تقديم دعم مالي متواصل للدول الأضعف اقتصادا. ولكن هذا الدعم تحول في العقدين الأخيرين إلى اداة للضغط السياسي غير المسبوق. فبعد سبعة عقود على قيام الاحتلال الإسرائيلي اتضح فشل السياسات الغربية في تحقيق ذلك، وبقي الكيان الإسرائيلي غريبا على جسد الأمة، ورفضت الأجيال المتعاقبة رفع الراية البيضاء برغم الحروب والتضحيات. لبنان وحده أعاد الثقة للأمة بإمكان قلب الصورة ووقف التداعي النفسي والسياسي. كان لبنان بطلا مرتين: اولاهما في العام 2000 عندما أرغم الاحتلال على الانسحاب من أراضيه في 25 مايو (أيار) من 2000. والثانية في يوليو 2006 حين استطاع مقاوموه صد العدوان الإسرائيلي الذي كان متفوقا عسكريا من حيث العدة والعدد. كانت تلك اللحظة نقطة تحول في موازين القوى ساهمت لاحقا في رجحان كفة قوات المقاومة الفلسطينية التي قلبت هي الأخرى المعادلات ووضعت الاحتلال امام واقع مختلف عما ألفه قبل ذلك. وشعرت قوى الثورة المضادة أن تلاحم صفوف المقاومة اللبنانية والفلسطينية ستكون له تبعات إقليمية ودولية غير قليلة.
خمسة عشر عاما من الانتصارات التي سجلتها قوى المقاومة أحدثت تحولا في التفكير السياسي والاستراتيجي لدى الجهات المعنية بالتوازن الاستراتيجي في الشرق الأوسط. فبالاضافة لبروز المقاومة ضد الاحتلال وشعوره للمرة الأولى بوجود خطر وجودي عليه بعد أن فقد عمليا تفوقه العسكري على الجانب العربي، جاءت ثورات الربيع العربي لتضيف إلى حالة الإحباط لدى الجهات التقليدية التي هيمنت على اوضاع المنطقة. وبغض النظر عن مآلات تلك الثورات فقد أحدثت أمورا عديدة: أولها شعور القوى التي استغلت المنطقة منذ عقود بأن أيام ذلك الاستغلال باتت محدودة وان المنطقة بدأت يقظتها بعد سبات طويل، وأن مارد التغيير خرج من قمقمه مهددا بإنهاء الحقبة السوداء من تاريخ الأمة التي استمرت منذ سقوط الدولة العثمانية وبدء عصر الاستعمار حتى الوقت الحاضر. ثانيها: حدوث تغير نوعي في علاقات بعض أنظمة المنطقة يتجه نحو إعادة رسم خريطتها السياسية، بالتعاون الوثيق مع الكيان الإسرائيلي. وهنا انبثق مشروع تحالف الثورة المضادة. هذا التحالف أصبح يستهدف قوى التحرير والتغيير في المنطقة، ووضع على رأس اولوياته استهداف مجموعات «الإسلام السياسي» ليس باضطهادها فحسب بل باقتلاعها من الجذور كما حدث مع القوى الشيوعية واليسار والقومية. وما تتعرض له الحركات الإسلامية التي كانت تهدف لتقديم بديل سياسي لأنظمة الاستبداد والاستسلام يؤكد جدية ذلك التحالف في ذلك الاستهداف. ويمكن ملاحظة تراجع مستوى الحريات العامة في العالم العربي بشكل مضطرد. وقد استخدم المال النفطي بشكل فاعل لممارسة ضغوط على الدول التي تمارس شيئا من الحرية والديمقراطية.
محنة لبنان صورة من محنة الأمة، واستخدام الدولار النفطي كسلاح لإجبار الدول على تغيير مسارها السياسي بالانصياع لشروط الدعم الذي تقدمه بعض دول تحالف الثورة المضادة ساهم في محنة لبنان بشكل مباشر.
من المؤكد أن هناك فسادا في اوساط الطبقات الحاكمة في اغلب بلدان العالم، وليس لبنان وحده أو تونس أو العراق فحسب. الحرية النسبية في هذه الدول تسمح بتسليط الضوء على فساد النخب الحاكمة، بينما الستار الحديدي المفروض على شعوب الدول الأخرى يحجب الحقائق عن تصرفات النخب الحاكمة في البلدان الأخرى ذات الوفرة المالية العملاقة. إن لبنان يدفع ضريبة صموده وديمقراطيته النسبية، ولا يجوز تجويع شعبه واستخدام ذلك لمحاولة تغيير أوضاعه الداخلية او دفعه على طريق التمزق والاحتراب الداخلي كما حدث قبل أربعة عقود. والأمل أن يصمد لبنان وأهله ويتصدوا جميعا للفساد السياسي ويرفضوا الابتزاز الخارجي ويصروا على التشبث بالحرية والديمقراطية وإصلاح فساد النخبة.
المصدر: القدس العربي.
الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".