لبنان: "ما معنا مصاري"
شباط 12, 2022

بيار عقيقي

"ما منقدر نعطي كهربا وميّ وتلفون ببلاش لإن ما بقا في مصاري، وإذا قال المواطن مصرياتي بالبنوكة، معو حق، بس بدنا نتحمّل بعضنا". القائل ليس أي شخص، بل رئيس الحكومة اللبنانية، نجيب ميقاتي، إثر إقرار الحكومة موازنة عام 2022، أول من أمس الخميس، على أن تحيلها لاحقاً إلى المجلس النيابي لمناقشتها. من يسمع صاحب هذا الكلام يظن أن اللبنانيين ينعمون بكهرباء ومياه واتصالات مجانية، وأنهم يجحدون النعمة التي منحتها لهم دولتهم منذ عقود. لا يذكر ميقاتي أن اللبناني يتكبّد مبالغ طائلة شهرياً من أجل كهرباء تأتي بضع ساعات يومياً ومياه شحيحة واتصالات مهترئة مرفقة بسرعة إنترنت من الأبطأ في الكوكب. لا يتحدّث بشغف عن كيفية استرداد أموال المودعين أو الأموال المسروقة من الناس. لا يتكلم عن مشاريع لبنى تحتية تسمح بتفعيل الحد الأدنى من الاقتصاد، ولا يقول إن ما يحتاجه اللبنانيون حالياً ليس رمي الخسائر الناجمة عن الفساد والهدر على عاتقهم، بل وضع هذه الحكومة خطة عملية لاستجلاب الأموال من اللصوص على مدار العقود الماضية.

السياسة التي ينتهجها ميقاتي، وبطبيعة الحال كل شخص سيكون في موقعه أو في موقع مسؤولية آخر، لا تتعلق بالشخص بقدر ما تتعلق بالنهج المبني على ذهنيةٍ لا تريد الخروج من "علبة النظام" الهشّ بتركيبته والقوي بشبكة مصالحه المستندة إلى ثقافةٍ طائفيةٍ لم تمت بعد. وإذا افترضنا أن الموازنة باتت أمراً واقعاً، وهو ما سيحصل نيابياً، لأن البرلمان نسخةٌ موسعةٌ عن الغالبية الساحقة من التشكيلة الحكومية الحالية، فإن جوهر السؤال الأهم في هذه المعضلة: هل يستطيع اللبنانيون تحمّل زيادة الضرائب، ولو على شكل رسوم، في غياب أي بديل تنموي فعلي؟ بصراحة، لا. إذاً، ما الذي ستفعله الحكومة لجباية الأموال، عدا قطع الاشتراكات من كهرباء ومياه واتصالات؟ الاستعانة بالقضاء أولاً، قبل نشر القوى الأمنية لاعتقال المتخلّفين عن الدفع؟ حسناً، إذا كان الأمر هكذا، فلم لا يتحرّك هذا القضاء وهذه القوى الأمنية لاعتقال ما نسبته 1% أو 5% ممّن ساهموا في إفقار المواطنين؟ ألن يكون أفضل من ملاحقة 90% إلى 95% من اللبنانيين؟ صدقاً، الأوفر مادياً وبشرياً وتقنياً وزمنياً والأهم تحقيقاً للعدالة، هو مطاردة 5% بدلاً من 95%.

صحيحٌ أن المأساة الكامنة في بيروت تمهّد لكل أنواع المصائب التي لم تولد بعد، غير أن مقابلة تلفزيونية لقناة "أل بي سي" المحلية دامت 21.57 دقيقة مع كبير مستشاري أمن الطاقة العالمي في الإدارة الأميركية، آموس هوكستين، شرحت الكثير مما يحصل في موضوع الطاقة في لبنان. معادلة هوكستين بسيطة: "اقبلوا بالتسوية المطروحة"، هي أفضل من التسويات السابقة بشأن ترسيم الحدود البحرية بين لبنان والإسرائيليين، على الرغم من أنها تعني نسيان جزءٍ من الحقوق الطبيعية البحرية للبنان لمصلحة الإسرائيليين بحجة كونها "الفرصة الأخيرة قبل فوات الآوان".

إزاء طرح هوكستين، ما هي الخيارات اللبنانية؟ أولاً، القبول بالتسوية المطروحة. ثانياً، الرفض المطلق، في غياب أي بديل لاستخراج الموارد الطبيعية من البحر. ثالثاً، الدخول في حرب واسعة مع الإسرائيليين لرسم الحدود بحسب الحقوق اللبنانية. رابعاً، الانتظار والمماطلة اللذان سيفضيان إلى استمرار الموت البطيء في الداخل اللبناني، والانزلاق أكثر في دوامة المهاترات الضيّقة، في ظلّ انعدام الأفق الاقتصادي والاجتماعي. وفي كل الخيارات المطروحة، تبدو السلطات اللبنانية غائبةً عن الوعي، كسياسة معتمدة لديها لتمرير الوقت "علّ الفرج يأتي من مكان ما".

كلام ميقاتي عن "التحمّل" تكريس لديكتاتورية النظام اللبناني، وحديث هوكستين عن "الفرصة الأخيرة" ترسيخ لقلّة حيلة هذا النظام. بموجب الحالتين، سيولد تصادمٌ ما، لن يشفع أي خطاب في لجمه أو الحدّ من عنفه.

المصدر: العربي الجديد.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".