لبنان وتحدّي الحفاظ على الاستقرار !
كانون الثاني 02, 2020

د. وائل نجم.

لم تفلح الاتصالات والمشاورات والجهود التي بُذلت من أجل تشكيل حكومة جديدة قبل نهاية العام 2019 في الوصول إلى هذه النتيجة. فالعقبات ما تزال ماثلة أمام الرئيس المكلّف، والمطالب ما تزال تعيق عملية التأليف، والتدخلات والضغوط المتبادلة ما تزال تهيمن على المشهد، ولذلك انقضى العام 2019 من دون التوصل إلى اتفاق على شكل وحجم الحكومة فضلاً عن وزرائها، ودخل العام 2020 من دون أفق واضح حول هذه القضية. الجميع ينتظر، وكل طرف من أطراف "المعركة" ما يزال يشحذ سلاحه من أجل الفوز بالمعركة.

وفي أجواء معركة تشكيل الحكومة في لبنان، الجميع يدرك أن الأمور في المنطقة متداخلة ومتشابكة ومعقذدة بحيث أن الأطراف المشاركة في عملية التأثير تكاد تكون واحدة في كل أقطار المنطقة، وبالتالي لا يمكن الفصل بين ما يجري في هذه الأقطار، ولا يمكن تجزئة الحل على كل قطر لأن من شأن ذلك أن يفقد القوى المؤثرة أوراق قوة في عملية صراعها مع الأطراف المواجهة.

ما يجعلنا نتحدث عن هذا الموضوع هو إدراكنا أن الحل في لبنان يرتبط بشكل أو بآخر بما يجري أيضاً في العراق. القوى الرئيسية المؤثرة في كل البلدين واحدة. هناك الولايات المتحدة الأمريكية من جهة وهناك إيران من جهة أخرى. طبعاً فضلاً عن قوى أخرى أقلّ تأثيراً من هاتين الدولتين.

في العراق وخلال الساعات الماضية تصاعد الموقف وحدّة المواجهة إلى مستويات غير مسبوقة من قبل. فالطائرات الأمريكية أغارات على مواقع للحشد الشعبي العراقي ( قوى عراقية مسلحة متحالفة مع إيران أو ربما تابعة لها) على الحدود العراقية السورية، وأوقعت عدداً كبيراً من القتلى والجرحى، وعزا الأمريكيون الغارات إلى مقتل أحد الأمريكين خلال هجوم على قاعدة أمريكية في منطقة كركوك قالت واشنطن إن أحد فصائل الحشد الشعبي يقف خلفه.

وفي مقابل ذلك هدّد الحشد الشعبي في العراق بالردّ القوي والقاسي على ما سمّاه العدوان الأمريكي، وقام منتسبون من الحشد بالهجوم على السفارة الأمريكية في بغداد وتمّ اقتحام أسوار السفارة في المنطقة الخضراء المحصّنة، وتمّ ايضاً إحراق بعض أبواب ومداخل السفارة من دون اقتحام المباني الداخلية أو إلحاق أضرار بأرواح الجنود الأمريكيين في الداخل.

هذا المشهد المتطوّر والذي بلغ هذا المستوى، قرأه البعض على أنه رسائل بالنار بين الأمريكيين الإيرانيين في العراق بعدما بلغت الأمور ما بلغته في ضوء تظاهرات الشعب العراقي المطالبة برحيل الطبقة السياسية الحاكمة، والتي يعتبرها أسيرة القرار الإيراني، والتي ما تزال متواصلة وجعلت الإيراني يخسر بعض الأوراق التي كانت بيده لصالح خصمه المتمثّل حالياً بالولايات المتحدة الأمريكية من دون أن يعني ذلك أن المتظاهرين يعملون عند الأمريكيين. وبالتالي فإن هذا التطوّر يأتي في سياق استخدام الأدوات عند كلا الطرفين.

وبما أنّ لبنان بلد يعيش انتفاضة مشابهة، وهو ساحة تشبه إلى حد كبير الساحة العراقية، فإن السؤال البديهي الذي بات يسأله كل لبناني هو هلى يتحوّل لبنان أيضاً في لحظة من اللحظات إلى ساحة يتمّ فيها تبادل الرسائل بالنار بين المتصارعين؟! أم يتمكّن البلد وما عُرف عن قياداته من تدوير زوايا في مواجهة هذا التحدّي وعدم الانزلاق إلى مثل هذا الوضع؟

إلى الآن يمكن القول إن لبنان قد يكون بعيداً عن هذا الأسلوب الذي حصل في العراق في تبادل الرسائل، فالوضع الميداني في كل من البلدين مختلف عن الآخر لحيثيّات كثيرة ليس محل ذكرها الآن أو هنا، وهذا يدفع الطرفين إلى استخدام أدوات أخرى في المواجهة أو تبادل الرسائل، قد لا يقلّ تأثيرها عن الرئاسل النارية، كما في الموضوع الاقتصادي، ولكن تبقى الرسائل النارية بمثابة الخرطوشة الأخيرة التي يمكن أن يستخدمها أي طرف فيما لو وصل إلى حالة اختناق أو إذا ما شعر أن أي تسوية يمكن أن تحصل ستكون على حسابه، ومن هنا يمكن القول إن "البراغماتية" اللبنانية قد تجنّب البلد بعض هذه الرسائل النارية ولكنها لن تجعله بمنأى عن أدوات الصراع الأخرى.