لقاء بعبدا والمفاعيل العكسية.
حزيران 25, 2020

د. وائل نجم.

حسم رئيس الجمهورية ميشال عون مساء الثلاثاء مصير لقاء بعبدا المقرر يوم الخميس , فأكد على أنّ اللقاء سيعقد بمن بحضر، ولن يتمّ تأجيله كما اقترح البعض بالنظر إلى مقاطعة واسعة من مكوّن أساسي في البلد، ومن رؤساء الحكومات السابقين، ومن تيارات سياسية وكتل نيابية وازنة. قرار الرئيس عون جاء ليؤكد على المضي باللقاء دون الإلتفات إلى هذا الاعتراض والتحفّظ الذي لا يأخذ طابعاً طائفياً أو مذهبياً كما يعتبر البعض، أو أنّه يخلّ بالميثاقية كما يحاول البعض التصوير, بل على العكس من ذلك، هو تحفّظ سياسي بامتياز على علاقة بأداء السلطة والعهد بشكل أساسي في ظل وضع اقتصادي صعب ومعقد وأفق مجهول من الناحية الاقتصادية والمالية.

وبالعودة إلى الدعوة وجدول أعمال اللقاء , فقد تضمّنت الدعوة العناوين الأساسية للقاء وتتمثل في بحث التطورات السياسية والأوضاع الأمنية والاستقرار والسلم الأهلي , كما ان اللقاء ليس مقفلا على اي فكرة او طرح , وهذا يعني أنّ المطلوب من اللقاء تخفيف التشنّج والتوتر في البلد على خلفية الأحداث التي حصلت خلال الأيام والأسابيع الأخيرة، وتحصين السلم الأهلي والاستقرار الداخلي قطعاً للطريق على الفتنة التي يحاول البعض إشعالها وإحراق البلد بها.

غير أنّه، وكما يبدو، فإنّ هذا اللقاء الذي كان من المفترض أن يشكّل مدخلاً ومناسبة لتخفيف التوتر والتشنّج في البلد ، بدأ قبل أن ينعقد، يعطي مفاعيل عكسية، فزادت نسبة التوتر السياسي، وفتح النقاش على ملفات هي محل بحث ونزاع وخلاف، وأعاد إلى الواجهة مسألة الصلاحيات المتنازع عليها ومنطق الأعراف الذي يحاول فريق تكريسه. وبالتالي فإنّ اللقاء لم يولد ميتاً – كما يقولون – فحسب، بل أعطى نتائج ومفاعيل عكسية للعناوين المطروحة فيه، وبالتالي فإنّ ذلك قد يكشف مستقبلاً عن أجندة خفيّة للقاء ليست تلك التي تمّ تضمينها في الدعوة التي جرى توجيهها.

لقاء بعبدا لا يمكن أن يكون لقاء لمجرد اللقاء أو الحوار فحسب، فالوضع في لبنان أعقد من حوار شكلي وصورة تذكارية , ثم ينصرف كل طرف لمواصلة سياسته ونهجه دونما اعتبار للتحدّيات الحقيقية والمخاطر المحدقة بالبلد.

لبنان بحاجة في هذه المرحلة إلى إجراء إصلاحات حقيقية وجدّية والتخلّي عن منطق المحاصصة والكيدية، ومكافحة الفساد بشكل حقيقي، والقيام بهذه وتلك كفيل بضمان تأمين ما تضمّنته دعوة لقاء بعبدا من استقرار داخلي وسلم أهلي , وحتى سيولة مالية للخروج من الأزمات. أمّا الاستمرار على طريقة الكيدية ذاتها، والمحاصصة نفسها، والسياسة والنهج عينه فهذا لا يبني وطناً ولا يقيم دولة ولا يؤمّن استقراراً.

اليوم العهد والحكومة أمام تحدّي حقيقي وجاد يحتاج إلى خطوات عملية وفعلية جادة وليس إلى حوار ولقاء شكلي ينتهي بانتهاء الجلسة، والمسؤولية تقع بشكل أساسي على المتواجدين في موقع القرار، أي في السلطة، وليس على الذين خارجها، وإن كان عليهم نصيب من المسؤولية. وبالتالي فإنّ العهد والحكومة مدعوان لخطوات جدّية وتغيير النهج والتخلّي عن سياسات الكيدية والمحاصصة والانخراط الجاد في مكافحة الفساد، وعندها ستضع الطبقة السياسية والجميع أمام مسؤولياتهم. أمّا وأنّ شيئاً لم يتغيّر عن سياسات الماضي، فلماذا سيتحمّل الأخرون المسؤولية؟!

أمّا بالنسبة لرؤساء الحكومات السابقين، فلا يكفي مقاطعة اللقاء انطلاقاً من خلفيات سياسية أو حسابات خاصة، فهذا يقع أيضاَ في خانة ما وقعت فيه الدعوة إلى اللقاء. المطلوب في هذه المرحلة صياغة موقف وطني موحّد على مستوى الساحة الإسلامية السنّية لا يستثني أحداً، والتوجّه بعد ذلك بمشروع إنقاذ حقيقي مستنداً إلى الدور الوطني من ناحية، وتاريخ هذا المكوّن في مواقفه العروبية والاسلامية الممتدة من ناحية أخرى.