لقاء سعودي فرنسي حول لبنان: دعم سياسي و"استنهاض" انتخابي؟
آذار 16, 2022

منير الربيع

على مشارف الانتخابات النيابية، يبرز سؤال أساسي: ما الذي تقرره المملكة العربية السعودية في لبنان؟ ومنذ سنوات تتكاثر الأسئلة حول الموقف السعودي من الوضع اللبناني: هل تريد الانسحاب وتسليم البلد لحزب الله، لتركه يسقط في يده؟ أم تسعى لدعم جبهة مناهضة للحزب عينه في الانتخابات؟ لا جواب واضحاً حتى الآن. في الساعات الماضية عُقد لقاء فرنسي سعودي، للجنة مشتركة مؤلفة من مسؤولين من البلدين. الوفد السعودي برئاسة نزار العلولا ومشاركة السفير السعودي في بيروت وليد البخاري، فيما الوفد الفرنسي يترأسه المستشار باتريك دوريل. تم البحث في الاجتماع بنقطتين أساسيتين. الأولى، تتعلق بالانتخابات النيابية والحضور السياسي السعودي في لبنان، والثانية في تقديم المساعدات. وتم خلال الاجتماع البحث في إمكانية عودة السفير السعودي إلى بيروت قريباً.

حصل الاجتماع بعد ساعات من دعوات لبنانية لمسؤولي دول الخليج، وتحديداً السعودية، لإعادة الاهتمام بالملف اللبناني، وليبدأ هذا الاهتمام بعودة البخاري إلى بيروت وعقد لقاءات، كتمهيد لتقديم الدعم المعنوي والسياسي والمالي للانتخابات. يأتي ذلك في ظل المزيد من الرسائل التي تلقاها الرئيس سعد الحريري حول ضرورة وقف أي نشاط سياسي يقوم به المحسوبون على تيار المستقبل، ووقف كل محاولات عرقلة عمل الرئيس فؤاد السنيورة.

ماذا تريد السعودية؟

لا بد من رصد جملة إشارات ومواقف. فلدى سؤال أي مسؤول سعودي عن سبب التخلّي عن لبنان، يكون الجواب سريعًا: ليس هناك تخلّ ولا انسحاب. وعلى اللبنانيين أن يعودوا إلى أنفسهم. والسعودية قدمت مبادرات عدة للتعاون الاقتصادي والأمني والاستثماري، ولكن الحكومة اللبنانية لم تستجب لذلك.

في المقابل، هناك قراءة لبنانية أخرى: لم تعد السعودية تظهر اهتمامًا ودعمًا للأفرقاء اللبنانيين، بسبب تسوياتهم مع حزب الله وتسليمه البلد، والدليل هو تسوية 2016 الرئاسية. وتفيد هذه القراءة أن السعودية لن تعيد اهتمامها بلبنان قبل تغيير الوقائع.

وبناء على هذه القراءة يُطرح سؤال سرمدي: هل تتحرك السعودية على خطّ توفير الدعم لشخصيات وقوى سياسية في الانتخابات وغير الانتخابات للتصدي لحزب الله؟ أم أنها تنتظر تكتلهم وبدأهم العمل، وبعدها تقدّم لهم الدعم اللازم؟

انتظار التحالفات واللوائح

وشهدت الأيام الماضية سلسلة خطوات، أبرزها لقاء الرئيس فؤاد السنيورة بمسؤول أمني سعودي رفيع المستوى، ومهتم بالشأن اللبناني. والتقى المسؤول نفسه شخصيات لبنانية أخرى. في هذه اللقاءات أبدى المسؤول السعودي إيجابية تجاه الحركة السياسية التي يقوم بها اللبنانيون المناهضون لحزب الله، وحول ضرورة العمل سياسيًا وانتخابيًا في المرحلة المقبلة. ولكن ليس من موقف واضح في الدعم السياسي والمالي، بل مجرد تأييد للتحرك.

وقبل هذه اللقاءات زار كل من وائل أبو فاعور وملحم رياشي المملكة العربية السعودية، والتقيا بعض المسؤولين. فجرى بحث في الاستحقاق الانتخابي، ومدى الحصول على دعم. فكان الجواب إيجابيًا، شرط وضوح معالم المعركة الانتخابية والتحالف بين القوات والاشتراكي والقوى التي كانت سابقًا منضوية تحت مظلة 14 آذار، ولا سيما مع شخصيات سنية وازنة، طالما أن الحريري لن يخوض الانتخابات.

وحصل الاشتراكي والقوات على دعم معنوي، لم يترجم حتّى الآن. وهذا يشمل السنّة الذين يصرون على خوض الانتخابات. وهنا تجيب المصادر أن السعودية ربما تنتظر كيفية تشكيل اللوائح وصوغ التحالفات ومدى جديتها، للتدخل.

أولوية حرب اليمن

وهناك وجهة نظر أخرى: السعودية لا تريد التدخل مباشرة، ومستعدة للمباركة. وربما تقديم الدعم، ولكن ليس علنًا كما كان الوضع سابقًا. فيما يعلم السنّة اللبنانيون أن صورة واحدة لأي شخصية سياسية مع الملك سلمان أو ولي العهد، كافية لمنح الدعم اللازم معنويًا.

وسياسة السعودية تقتصر على الدعم والقيادة من الخطوط الخلفية. فالشأن اللبناني هامشي أو مغمور في هذه المرحلة، في ظل الحرب الروسية- الأوكرانية، التي يعتبر السعوديون أنها أسهمت في تقوية موقفهم على الجهتين الأميركية والروسية.

وهناك الملف اليمني الذي يحتل أولوية سعودية، مع الاستعداد لتوجيه دعوات للحوار في الرياض. وهي خطوة متقدمة تقول السعودية من خلالها إنها مستعدة لإنهاء حرب اليمن وإبرام تسوية سياسية. وهي رمت الكرة في ملعب إيران والحوثيين. وإذا لم يستجيبا يتحملان مسؤولية استمرار الحرب.

التنسيق مع باريس

بناء عليه، ثمة من يسحب هذه القراءة للوضع اليمني على الواقع اللبناني. بمعنى أن السعودية تضع الكرة في ملعب اللبنانيين ليتحمّلوا مسؤولياتهم، وبعدها يمكن اتخاذ القرار. ويأتي ذلك في سياق إصرار فرنسي على التعاون مع السعوديين في المجالات اللبنانية المختلفة: تقديم مساعدات إنسانية، وتشكيل خلية لعمليات التنسيق حول الوضع السياسي اللبناني. في ظل إصرار باريس على إجراء الانتخابات في موعدها. وهي لا تريد، وفق ما مصادر فرنسية، أن يتفرد حزب الله بالواقع السياسي اللبناني ولا بالساحة السنية.

وتسعى باريس لتحفيز السعودية على دعم شخصيات سنية معتدلة قادرة على تشكيل توازن سياسي، بالتعاون مع القوات اللبنانية والحزب الاشتراكي. ولا تغفل باريس أن لواشنطن أيضًا جهوداً لوصول المستقلين أو قوى من الثورة والمجتمع المدني إلى البرلمان. وبذلك تصبح قوى ثلاث في المجلس النيابي: حزب الله وحلفاؤه، معارضو الحزب إياه وكانوا سابقًا في 14 آذار، والقوى المستقلة أو المدنية.

غموض العزوف السني

وتعلم السعودية أن لبنان لن ينهض من دون تدخلها. وهي تنطلق حاليًا -بناءً على حال التشرذم في الساحتين السنية والعربية- من وجهة نظر تعتبر أن لا شرعية لزعامة سنية ليست على علاقة جيدة بها. والمسألة هنا ترتبط بالتوقيت والظروف. فكما هي الحال في سوريا كذلك في لبنان: لا يمكن الدخول في مرحلة إعادة الإعمار ولا مجال للإنقاذ بلا دعم سعودي.

وهنا نعود إلى السؤال المركزي: هل تريد السعودية إسقاط البلد في يد حزب الله واستكمال انهياره، ليتحمل اللبنانيون مسؤوليات خياراتهم، إلى أن يحين موعد تسوية إقليمية شاملة؟ أم أنها تدعم الجهات السياسية المناهضة لحزب الله في سبيل إعادة التوازن من خلال الانتخابات النيابية المقبلة؟

أما العزوف السنّي فمسبباته متعددة. فظروف الحريري تشير إلى أن خروجه من الانتخابات لم يكن بناء على قناعته. أما عزوف نجيب ميقاتي فيرتبط بحسابات أخرى: هو رئيس حكومة، ويريد أن يعود رئيسًا للحكومة. لذا لن يتورط في معركة انتخابية، فيما قد تقدم حكومته الراهنة على اتخاذ قرارات غير شعبية إطلاقًا.

ويستمر السنيورة بحركته ساعيًا إلى ترشيح شخصيات في معظم الدوائر، على الرغم من أن الوقت أصبح داهمًا، وحصل تأخير في هذا المسار. ومن غير الواضح ما إذا كان العزوف السني والصراعات البينية هدفها نزع الشرعية عن الانتخابات النيابية، وصولًا إلى تأجيلها ولو تقنيًا، في انتظار تحضير البديل، ام أن التحرك سيستمر والدعم سيتوفر ولو بالحدّ الأدنى لخوض الانتخابات وعدم ترك الساحة فارغة.

المصدر: المدن.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".