لقمان سليم وهشام الهاشمي
شباط 09, 2021

عيسى الشعيبي.

على الرغم من فوارق قليلة، ومزايا نسبية متفاوتة بين الرجلين اللذين سقطا في زمنين متقاربين وميدانين متباعدين، مضرّجيْن بدمائهما الحارّة، وكانا متعانقين معاً في معركة واحدة، معركة حرية الكلمة، وهي أم معارك الحريات، نقول على الرغم من هذه الفوارق، هناك عدد لا يُحصى من القواسم الشخصية والمشتركات الموضوعية، بين المغدور لقمان سليم بالأمس القريب في لبنان ونظيره هشام الهاشمي قبل سبعة أشهر في العراق، سواء لجهة المتهم بالتصفية، أو لجهة دوافع القتلة، ناهيك عن أسلوب الاغتيال وتوقيته، وتشابه معطيات مسرح العملية. ليس من مهام الكاتب الصحافي الخوض في ملابسات التحقيق الجنائي (وهل هناك تحقيق أصلاً؟) ولا إصدار الأحكام المسبقة، غير أن من صميم واجب المشتغلين بالشأن العام أن يضيئوا على المشهد ما أمكنهم ذلك، وأن يقرعوا جرس الإنذار بكل ما في وسعهم من قوةٍ أخلاقية، وفوق ذلك أن يسهموا في صناعة رأي ضاغط على أصحاب القرار، خصوصا إذا كان الأمر متعلقاً بظاهرةٍ سوداء مستفحلة، أو متصلاً بقوة عمياء متغوّلة، تضرب من دون حسيب، وتفلت دائماً من العقاب، ونعني بها ظاهرة قمع الرأي الآخر وإسكاته بقوة الحديد والنار.

ومع أن أحداً لا يتوقع أن تكون دماء لقمان وهشام خاتمة مطاف هذه السلسلة الطويلة من الإعدامات بدم بارد على قارعة الطريق، إلا أن هبّة الشجب التي تجلت على أوسع نطاق خارجي، مقابل ما يشبه الصمت الداخلي، عقب اغتيال المعارض اللبناني الشجاع، وارتفاع حدّة الأصوات المطالبة بالتحقيق الشفاف، وإنفاذ منظومة العدالة في بلد الثلث المعطّل (كذا)، قد تسهم في تضييق الخناق على القتلة، وتفضح شعاراتهم الزائفة، وربما تكبح جماح شهية المخطّطين، وتضع قيوداً على أيديهم، عندما يقرّرون غداً سفك دم ضحيتهم التالية.

لكن السؤال الذي لا يبرح العقل منذ حدوث أول اغتيال في لبنان قبل عدة عقود، وتواصل هذا السيل العرم من الإعدامات الجماعية والفردية في العراق غداة الغزو الأميركي عام 2003، هو ما علّة كل هذا الخوف لدى الطغاة من بلاغة الكلمة، وهم لديهم ما لديهم من القوة المادية المجرّدة؟ وما سبب ميل المستبدّين، شبه الغريزي، نحو تسوية الخلافات مع أصحاب الرأي الآخر عبر فوّهة البندقية؟ هل للكلمة الحرّة المستقلة، حقاً، كل هذه القوة النافذة والسطوة الناعمة؟ هل للكلمة وزن أرجح من وزن جيش جرّار، وسلاح أمضى مما لدى هيئات الأركان من ألوية مجحفلة وعتاد؟

أحسب أن هذه الأسئلة المسكونة بفيضٍ من مشاعر الاعتزاز بمهنة الكلمة، لا تشفي غليلاً، ولا تروي عطِشاً، ولا تقدّم سوى نصف إجابةٍ مشفوعةٍ برغبةٍ في مزيد من الاشتباك مع من يُغمضون عيونهم الضيقة عن رؤية الحقيقة الساطعة، ونقصد بها صلة النسب الطردية بين ظاهرة الاغتيالات ودولة الفساد والاستبداد، ومتلازمة الدولة الفاشلة والإرهاب، تماماً على نحو ما آل إليه حال دولة العراق القائمة على الورق فقط، حيث سقط هاشم وتوزّع دمه على المليشيات، وما صارت إليه حالة دولة لبنان المفلسة المنهارة المخطوفة، حيث سقط لقمان.

وعليه، لم يكن توجيه الاتهام السياسي الفوري إلى مليشيات الحشد الشعبي التي تشكل في العراق دولة فوق الدولة، وتحميلها مسؤولية تصفية هشام الهاشمي، أو تحميل حزب الله الذي يشكل بدوره دويلة أكبر من الدولة المتهرئة وزر اغتيال لقمان سليم، اتهاماً جزافياً لا أساس له، وإنما كان حكماً قائماً على سوابق عديدة، سجّلت جميعها ضد مجهول معلوم، ومبنياً، في الوقت ذاته، على وقائع جرمية كثيرة، لم تصل إلى القضاء، ولم تجرِ فيها مساءلة متهم واحد، في كلا البلدين المستباحين من قوةٍ إقليمية طاغية، ترتكب كل أفعالها الوحشية، بما في ذلك مقارفاتها الشنيعة في سورية، تحت ذريعة البحث عن الطريق إلى القدس.

بكلام آخر، هذه حرب مفتوحة على العقل، على الثقافة والوسطية والتنوير والاعتدال، على أصحاب الرأي الحر المستقل، ممن لا تخدعهم الشعارات، ولا يأكلون من صحن مفوّهي الخطاب الديماغوجي، ولا يلهثون وراء فقهاء الظلام. وهذه كذلك معركة دموية ضارية على كل رافض لذهنية القطيع، كل مقاومٍ لأحادية التفكير، للإقصاء والمصادرات، لمعصومية الزعيم، للنمط السائد، وللفكر الشمولي، يشنها دهاقنة أنظمة فاسدة، وقادة أحزاب فاجرة، يتقنون فن إدارة الرعاع، ويتقنون أكثر كيفية استخدام سلاح التخوين والتكفير ببراعة، لتصفية الخصوم الأوغاد، وترهيب الإعلام والقضاء والمثقفين والرأي العام.

المصدر: العربي الجديد.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".