ليس تطبيعاً بل احتلال طوعي
كانون الأول 09, 2021

حلمي الأسمر

سنسمّيه "تطبيعا" تجاوزا، ولكنه ليس كذلك. إنه عملية بالغة التعقيد والخطورة، تبدأ بعقد معاهدة، عادةً ما لا يلتزم العدو الصهيوني بها، لأن الطبع يغلب التطبّع، فيما الطرف الآخر "يفتح على البحري" بالتعبير الدارج، ويرتمي في حضن "العدو" السابق، المفترض أنه كان عدوّا، بحميمية شوق الحبيب إلى حبيبه الغائب، الذي وجده بعد طول غربة، فما السر وراء هذا السلوك غير المبرّر ولا المفهوم للوهلة الأولى؟

مبدئيا، يبدو أن الأمر ليس كما يفهم من مصطلح "تطبيع العلاقات"، فهو، كما يرد في التعريف، مصطلحٌ سياسيٌّ يشير إلى "جعل العلاقات طبيعية" بعد فترة من التوتر أو القطيعة لأي سببٍ كان، حيث تعود العلاقة طبيعية، وكأنه لم يكن هناك خلاف أو قطيعة سابقة. أما التطبيع في علم الاجتماع، أو التطبيع الاجتماعي؛ فهو العملية التي يتم من خلالها اعتبار الأفكار والسلوكيات التي قد تقع خارج الأعراف الاجتماعية طبيعية. وهنا تحديدا، في التعريف الاجتماعي، مربط الفرس.

سننظر إلى المشهد وفق مستويين: الأول ما يبدو على السطح، من خلال الإعلام وتصريحات المسؤولين. الثاني، وهو الأهم، فيما يختفي في الغرف المغلقة مما يحرّم ذكره في الإعلام، لأنه "عورة" يجب سترها، ويُحظر على "الدهماء" الاطّلاع عليها، ليس خوفا منهم طبعا، بل من باب "داري على شمعتك تقيد" أو "استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان"، والكتمان هنا مقصودٌ به إخفاء الهدف الأساس والكبير من حكاية التطبيع، ليس بمفهومه السياسي فقط، بل بمفهوم آخر، يتجاوز حتى المفهوم الاجتماعي عمقا وتجذّرا وتعقيدا.

سنبدأ في الحفر في أسباب ما يجري من ارتماءٍ في حضن العدو من أساطين النظام السياسي العربي، بدءا من الأسباب "المكشوفة" أو الظاهرة للعيان، ولعل أهمها الرغبة في استعمال ورقة التطبيع جواز سفر لرضى كبراء البيت الأبيض، وما يسمّى المجتمع الدولي، فحتى تتحوّل دولة ما من "دولة مارقة" إلى "داجنة" لا بد أن تحظى برضى أصحاب الكرة الأرضية، أو هكذا يعتبرون أنفسهم، وهم أميركا والاتحاد الأوروبي على وجه الخصوص، (الصين وروسيا خارج هذا التقسيم إلى حد ما لاعتباراتٍ وتفصيلاتٍ لا محلّ لها هنا). والطريق إلى قلوب هؤلاء يمر عبر ربيبتهم "إسرائيل". ومع عملية "القبول" في عضوية "القطيع" تنفتح أبوابٌ كثيرة تحمل صفة "باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب"، كباب البنك الدولي وصنوه صندوق النقد الدولي، وربما رشوة هنا أو هناك، كقاعدة عسكرية أو اتفاق دفاع مشترك (!) أو تسهيلات سياسية وأمنية. والحديث يطول عما فعله الصندوق والبنك في البلاد التي دخلاها، وفي التجارب القليلة التي نجا من شرّهما بلد، دخل عصر الازدهار والاستقلال من الهيمنة والذلّ والمديونية.

ومن الأسباب المكشوفة الأخرى، والحديث يطول عنها، الرغبة في الاستفادة من تكنولوجيا العدو، ليس في الزراعة والأمن السيبراني والأسلحة طبعا، بل في تقنيات عنوانها "الحداثة" والتحديث، وباطنها كيفية السيطرة على الشعوب والتجسّس عليها، وإخضاعها، وربما الاستعانة بمرتزقة العدو الظاهرين والمخفيين لترسيخ الحكم والقضاء على دابر الأعداء المفترضين في "الداخل" غالبا. وهنا نصل إلى لبّ الموضوع في العملية برمتها، وهي الغرض الأسمى مما يسمّى "التطبيع"، وهو المحافظة على النظام بمفهومه الشامل، وهذا عنوان واسع لعينٍ تختبئ في جنباته لعناتٌ بلا حصر، أخطرها أن ترتدي العلاقة مع العدو لبوس "التعاون"، ما ظهر منه وما بطن، وهو الألعن حيث يتضمن "التنسيق الأمني"ّ!، وتبادل المعلومات فيما يخصّ حركة الشعوب ونبضات قلوبها، وكلا الاصطلاحين (التنسيق الأمني وتبادل المعلومات) هما الشكل الجديد المستحدَث والمخفّف والمجمل من "الاحتلال". وبهذا المعنى، يغدو ما يسمّى التطبيع عملية احتلال طوعية. قد يبدو التوصيف هنا مبالغا فيه، ولكن الحقيقة تحمل مرارةً أكثر مما يبدو، فمعظم بلاد العرب كانت متورّطة بعلاقات سرّية مع العدو الصهيوني قبل موضة "اتفاقيات السلام" بدهور. ولو قلّبنا صفحات التاريخ الحديث الذي لا يدرّس عادة في المدارس العربية، لعرفنا أن من أعان اليهود على احتلال فلسطين ليس أميركا ولا الاتحاد الأوروبي ولا الاتحاد السوفييتي فقط، بل النظام العربي الرسمي الذي احتضن المشروع الاستعماري الصهيوني، وحماه وشدّ على أيدي مؤسّسيه، وخاض معه حروبا استعراضية، كلها أو جلها انتهت إلى الهزيمة، حتى قوي عودُه واستفحل خطرُه، والحديث هنا يطول عن الاتفاقات واللقاءات السرية، والمعاهدات والتعهدات الصامتة، وصولا إلى ما بدأنا على تسميته "تطبيعا".

ما يجري ليس "تطبيعا" بقدر ما هو عملية تورّط وتوريط للبلاد، ورهن مستقبلها وسيادتها بيد عدوٍّ لا يرحم حلفاءه، بل عبيده، فكيف بمن يعتبرهم "أغيارا" هم دون مستوى البشر؟

لسنواتٍ خلون، كان العدو الصهيوني، في الظاهر على الأقل، يبحث عن "شرعيةٍ" عربيةٍ تضفي على كيانه وجودا طبيعيا في بلادنا، أو هكذا بدا الأمر، لتدور عجلة السنين، ونرى النظام العربي الذي يريد أن يرسّخ أركانه غدا يطلب "شرعيةً" ليس من صندوق الاقتراع أو الدين، بل من كيان العدو الصهيوني.

إذا هو ليس "تطبيعا" بالقطع، بقدر ما هو عملية تورّط وتوريط للبلاد، ورهن مستقبلها وسيادتها بيد عدوٍّ لا يرحم حلفاءه، بل عبيده، فكيف بمن يعتبرهم "أغيارا" هم دون مستوى البشر؟ وأرواحهم مستباحة لأنهم خلقوا، وفق عقيدته الفاسدة، لخدمته؟ إنه ليس تطبيعا، بل احتلال طوعي، سيكون لعنةً على الأجيال الحالية والقادمة إن لم تقف في وجهه وتقاومه بكل ما أوتيت من قوة وإيمان.

المصدر: العربي الجديد.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".