ما جرى بطرابلس متعمَّد "أمنياً".. لتطويع اللبنانيين وتعميم الفوضى.
كانون الثاني 30, 2021

منير الربيع.

ليست المرة الأولى التي تكون فيها طرابلس ساحة لصراعات متعددة الأشكال، ويُستثمر فيها القهر والفقر. فغالباً ما يقع الخيار على طرابلس لممارسة أشكال متعددة من المواجهات العنيفة.

ديار عون وحزب الله الغريبة

هذا ما جرى منذ معركة مخيم نهر البارد و"فتح الإسلام" في العام 2007، إلى جولات القتال المتكررة بين بعل محسن وباب التبانة، بعد تلك المعركة.

وهذا الشكل من أشكال الصراع يدفع أركان النظام اللبناني إلى الاقتناع بأنه مهما كبر حجم المواجهة أو الاشتباك في طرابلس، لن تمتد إلى المناطق الأخرى. وهذا ما خبره ويعلمه رئيس الجمهورية ميشال عون. ومثله، بل أكثر منه، حزب الله. فعون ومؤيدوه وحزب الله ينظرون إلى طرابلس نظرتهم إلى ديار منقطعة عن لبنان، وليس لها من يرعاها، ومتمردة على قواها وزعاماتها السياسية.

تعمُّد أمني وسياسي

والفراغ أو التسيّب السياسي في المدينة، هما ما يسنحان لبعض الأجهزة الأمنية بلعب أدوار واسعة في المدينة، طالما أن هذه الأجهزة متغلغلة في الأحياء والمناطق والشوارع، وبين الشبان البائسين. وهم الذين استدرجوا بشكل أو بآخر لما حصل في المدينة.

ويكمن وراء هذا الاستغلال احتمالان: إما سوء تقدير وتدبير سياسيين وأمنيين. أو تعمُّد تفجير العنف الذي يُراد منه حصول ما حصل، لتعميم مفهوم الفوضى.

وهناك معلومات تشير إلى التداول بمثل هذه السيناريوهات قبل 24 ساعة من إحراق السرايا ومبنى البلدية في طرابلس. وهذا يقود إلى الخلاصة التالية: ما جرى كان متعمداً. وبعده ستسلك القوى الأمنية بطريقة مغايرة لضبط التحركات ومنع تصاعد وتيرتها، بعد دق ناقوس الخطر.

تطويع السّنة

ولا يخرج ما جري في طرابلس عن سياق تأديب لبنان واللبنانيين، وأي منطقة تفكر في الانتفاض. ولا بد أيضاً من معاقبة المدينة لأنها متمردة على زعمائها التقليديين.

وهناك عقلية في لبنان ترى أنه لا بد من تطويع السنّة وضربهم وإضعافهم أو تصويرهم بأن التطرف والإرهاب ينمو في بيئاتهم. ولهذه العقلية حسابات سياسية معروفة. وهي لم تتأخر عن وضع ما يحدث في طرابلس في سياق المعركة السياسية المفتوحة على تشكيل الحكومة، أو النزاع على الصلاحيات. وقد تجلى ذلك في السجال المستجد بين رئيسي الجمهورية والحكومة المكلف، والغرق في صراعات التحاصص حول تشكيل الحكومة.

مستثمرو الفوضى

ما يجري هو أبرز الدلائل على الانهيار، الذي لا يبدو أنه يترك أثراً ما في سلوك المنظومة السياسية الحاكمة وتعايشها غير معنيّة بما يحدث: تفجير مرفأ بيروت، انهيار القطاع المصرفي، فقدان الدولار، أزمة معيشية خانقة. فيما تتبدد  كميات هائلة من الطحين الذي قُدّم مساعدات للبنانيين في أسوأ أزماتهم المعيشية.

لكن الأخطر في ما تطرحه بعض العقليات هو مراكمة نجاحاتها على مثل هذه الانهيارات، تعميمها وتوسيعها لتطال الجوانب الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والمؤسساتية، وصولاً إلى الاستثمار في الفوضى. ولعلّ ذلك يؤدي إلى إعادة طرح مشاريع سياسية متعددة على طاولة التفاوض. ويغيب عن هؤلاء أن طريق الدخول في الفوضى تكون معروفة، فيما طريق الخروج منها غامضة لا يعرفها أحد.

منظومة الوباء

حال الاستعصاء المستمرة والصراع القائم على وقع التجاذبات وصراعات النفوذ، لا تبشر بإمكان ذهاب لبنان إلى مرحلة جديدة وقريبة. فحال الانهيار والتفكك ستستمر طويلاً.

وهناك قناعة دولية ومحلية باستحالة ترقيع هذا النظام اللبناني وإعادة إحيائه، واستحالة التعامل مع هذه الطبقة السياسية التي لا تنتج إلا المعارك والخراب.

وتنسحب هذه النظرة الدولية على آلية تعاطي المنظومة الحاكمة مع المساعدات التي تقدم للبنان، فتُهمل ولا يستفيد منها اللبنانيون. ما يعني أنه لا يمكن الحصول على مساعدات دولية، أو من مؤسسات خارجية، قبل حدوث تغيير سياسي حقيقي.

المصدر: المدن.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".