مبكراً .. قبل انتخابات الكنيست
أيلول 06, 2022

أحمد الجندي

لا يعوّل الناخب الإسرائيلي كثيرا على أن تحل الانتخابات المقبلة، وهي انتخابات الكنيست الخامسة والعشرين، الأزمة السياسية في إسرائيل، والمتمثلة في عدم قدرة الحكومات على الاستمرار، وتكرار الانتخابات وراء الانتخابات، وما يصاحب ذلك من إهدار لأموال الدولة في ظل تكلفة انتخابات باهظة قد تتخطّى الملياري شيكل في المرّة الواحدة.

يعود الإحساس بعدم الثقة في أن تحل الانتخابات هذه المشكلة إلى استبعاد أن تؤدّي انتخابات أول نوفمبر/ تشرين الثاني القادم، وهي الخامسة في أقل من أربع سنوات، إلى أن تحصل أي من الكتلتين المتصارعتين، كتلة نتنياهو وكتلة لا لنتنياهو، على ما يؤهل إحداهما لتشكيل حكومة تستمر أربع سنوات من دون أن تضطرّ إسرائيل للذهاب إلى انتخابات مبكرة من جديد.

يعد يئير لبيد أكبر الرابحين سياسيا خلال العام الماضي؛ أي منذ تشكّلت حكومة التناوب مع نفتالي بينت، حيث تشير استطلاعات الرأي إلى إمكانية حصول حزبه على ما بين 22 أو 24 مقعدا في الانتخابات المقبلة، وهذا يعني أنه تمكّن من تعزيز مكانته، بعد أن حصل على 17 مقعدا فحسب في الانتخابات الماضية، مارس/ آذار 2021. ولكن على الرغم مما حققه لبيد إلا أن ذلك لن يساعده على الأرجح في أن يتمكن من إقامة حكومة ائتلافية من جديد في ظل ما تشير إليه استطلاعات الرأي من تراجع لبعض حلفائه. وطبقا لهذه الاستطلاعات فإن كتلة لا لنتنياهو المكونة من عدة أحزاب والتي تشارك في حكومة لبيد/ بينت الحالية لن تتخطّى على الأرجح حاجز 56 مقعدا. وهذا لن يمكّنها بالتأكيد من تشكيل حكومة. ويبقى أمل لبيد في ألا يتخطى مجموع ما قد تحصل عليه كتلة نتنياهو حاجز 59 مقعدا.

يدعم ذلك ما تحدّث عنه عميت سيجال، المحلل السياسي للقناة 12 الإخبارية الإسرائيلية؛ والذي أشار إلى أن الهدف الأساسي الذي يعمل عليه لبيد حاليا هو إيقاف كتلة نتنياهو عند حدود الـ 59 مقعدا، بحيث لا يتيح ذلك لنتنياهو تشكيل الحكومة، وطبقا لسيجال يبدو أن كتلة لبيد غير مؤهلة للحصول على المقاعد الكافية لتشكيل الحكومة، ويؤكّد سيجال أيضا صعوبة أن يوافق لبيد على حكومة تناوب بين حزبه "يوجد مستقبل"، وحزب الليكود بقيادة نتنياهو حتى لا يتكرّر معه ما حصل سابقا بين نتنياهو وبني غانتس، حينما وافق الأخير على حكومة تناوب مع نتنياهو، ولم يف الأخير بوعوده لغانتس، ونتج عن ذلك الذهاب إلى انتخابات مبكرة.

وقد شهدت إسرائيل خلال الأسابيع الماضية، منذ قرار حل الكنيست، حالة من النشاط السياسي غير المسبوق، تمثلت في اندماج بعض الأحزاب اندماجا مؤقتا من أجل الانتخابات؛ فقد اندمج حزبا "أزرق أبيض" بقيادة غانتس، و"أمل جديد" بقيادة جدعون ساعر فيما سمي معسكر الدولة، بعد أن كشفت استطلاعات الرأي عن عدم قدرة حزب "أمل جديد"، إذا خاض الانتخابات منفردا، على تخطّي عتبة دخول الكنيست المقرّرة 3.25% من أصوات الناخبين، أو ما يعادل أربعة مقاعد، كذلك فقد اندمج حزب يمينا بقيادة أييلت شاكيد مع شخصيات معروفة بتوجهها اليميني، وأسّسوا معا حزب الروح الصهيونية الذي ترأسته أيضا، فقد كانت الاستطلاعات تشير إلى عدم تمكّن حزب يمينيا من تجاوز عتبة دخول الكنيست وبفارق كبير، إلا أن خطوتها الأخيرة لم تغير من وضع حزبها الجديد شيئا. وإضافة إلى ذلك، تتحدّث تقارير متداولة في الصحافة الإسرائيلية عن دفع يائير لبيد لزعيمتي حزبي العمل وميرتس ميراف ميخائيلي، وزهفا جلاون، وهما حزبان يساريان من خوض الانتخابات ضمن قائمة واحدة، حتى يعزّز ذلك من فرصهما في زيادة عدد مقاعد حزبيهما، غير أن رغبة لبيد تقابلها صعوبات كبيرة داخل الحزبين.

إذا انتقلنا إلى المعسكر الآخر؛ فقد اختار كل من بتسلئيل سمتوريتس زعيم حزب الصهيونية الدينية، وإيتمار بن غفير زعيم حزب عوتسماه يهوديت خوض الانتخابات في قائمة مشتركة، ما قد يزيد من فرص تعزيز عدد المقاعد للحزبين معا.

ما زال هناك شهران تقريبا يفصلاننا عن موعد الانتخابات، لكن المؤشّرات تظهر أن من المرجّح ألا تحصل إحدى الكتلتين على 61 مقعدا، لكي تتمكّن من تشكيل الحكومة؛ إذ من المتوقع ألا تتخطى كتلة نتنياهو من حزب الليكود والأحزاب الدينية التي ستدعمه لتشكيل الحكومة (شاس، وعوتسماه يهوديت، والصهيونية الدينية، ويهدوت توراه) حاجز 59 مقعدا، كما لن تتخطّى كتلة "لا لنتنياهو" التي يتزعمها حزب "يوجد مستقبل" بزعامة لبيد والأحزاب المشاركة في الائتلاف الحالي (أزرق أبيض + أمل جديد "معسكر الدولة حاليا"، وإسرائيل بيتنا بزعامة ليبرمان، والعمل، وميرتس، والقائمة العربية بقيادة منصور عباس) حاجز 56 مقعدا.

وليس من المتوقع، في حال استمرّت استطلاعات الرأي على هذا النحو، أن تختلف نتيجة الانتخابات كثيرا، وأن يبقى الجمود سيد الموقف. وهنا يجب أن يطرح السؤال: من يكون المستفيد الأكبر، لو وصلت الأمور إلى هذه النتيجة؟ .. لا تبدو أي الخيارات سهلة إذا ما وصل الوضع إلى ذلك؛ فتشكيل الحكومة لن يكون سهلا في ظل قرار القائمة المشتركة بالبقاء خارج أي ائتلاف حكومي، وفي ظل صعوبة إقناع أي الأحزاب الدينية الموالية لنتنياهو أن توافق على الدخول في حكومة برئاسة لبيد، خصوصا وأن أكثرهم متمسّكون بتكوين حكومة يمين خالصة، وينظرون إلى حكومة لبيد الحالية بوصفها حكومة يسار. وعلى الجانب المقابل، يبدو من المستبعد كذلك أن يختار أي الأحزاب الرافضة نتنياهو الدخول في حكومة يترأسها هو.. وهذا يعني أن يبقى لبيد رئيسا لحكومة تصريف أعمال فترة لن تقل عن ستة أشهر أخرى، يمكنه فيها أن يعظم مكاسب حزبه مثلما فعل خلال الثمانية عشر شهرا الماضية، وبالتالي، يصبح هو أكثر المستفيدين.

الخاسر الأكبر سوف يكون الدولة نفسها والديمقراطية الإسرائيلية كلها؛ فالدولة ستكون مضطرّة للتجهيز لانتخابات جديدة للمرة السادسة في أربعة أعوام تقريبا، وما يصاحبها من استمرار إهدار المال على الانتخابات من دون تحقيق استقرار سياسي، وسيخسر النظام الديمقراطي ثقة الجمهور الإسرائيلي، لأن هذا النظام لم يعد قادرا على إنتاج حكومة مستقرّة تحقق طموحات الناس. ويؤكد ذلك أن التقرير عن حالة الديمقراطية في إسرائيل، الصادر في ديسمبر/ كانون الأول 2021، كشف عن حالة من الضجر بين مواطني الدولة تؤدي إلى عزوفٍ متنامٍ عن المشاركة في الانتخابات، وتراجع نسب التصويت، علاوة على شعور بالخطر الشديد على النظام الديمقراطي في إسرائيل؛ حيث أظهر التقرير أن لدى 44% من يهود إسرائيل هذا الإحساس بالخطر. وكانت النسبة الكبرى بين اليهود أصحاب التوجّه اليساري بنسبة 63%، ثم أصحاب توجّه الوسط 43%، ثم اليمين بنسبة 39%. وإضافة إلى ذلك، أشار التقرير أيضا إلى أن ما يقترب من نسبة 50% من الإسرائيليين يرون أن القيادات الإسرائيلية فاسدة تعمل لمصلحة نفسها أكثر مما تعمل لصالح المواطنين، إلى درجة أن أكثر من 50% من الإسرائيليين يعتقدون أن القضاء الإسرائيلي يتحيّز لصالح هذه القيادات، وأن الانتماء السياسي لهذه القيادات يلعب دورا مؤثرا في تعامل القضاة معهم.

ومن الطريف أنه في أعقاب ظهور نتائج انتخابات الكنيست في مارس/ آذار 2021، بل حتى قبل أن يكلف الرئيس الإسرائيلي أيا من زعماء الأحزاب بتشكيل الحكومة، صرّحت مديرة لجنة الانتخابات المركزية في إسرائيل، أورلي عدس، أن اللجنة "جهزت بالفعل تصميم مظاريف الانتخابات للكنيست الخامسة والعشرين". وسواء كان تصريح عدس إدراكا منها بأن النتائج التي ظهرت حينها لن تؤدّي إلى تشكيل حكومة مستقرّة، ما يعني الذهاب إلى انتخابات مبكرة، أو كان ذلك جزءا من إجراء روتيني يتطلب جهوزية اللجنة لأي استحقاق انتخابي محتمل، فإن اللجنة على ما يبدو ستكون مطالبة بأن تجهز من الآن لانتخابات الكنيست السادسة والعشرين.

المصدر: العربي الجديد.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".