مرفأ بيروت: الضحايا الأبرياء
تموز 31, 2021

بيار عقيقي
دائماً ما يحصل في لبنان أنه حين تنبت حالةٌ عابرة للطوائف والأحزاب، يخرج أحدهم ليقود دفاع المنظومة السياسية ـ المالية ضد الناس، بل يصيغ تحالفاتٍ بين الفئات التي تُظهر للمواطنين أنها تتقاتل بشكل دائم، لكنها في الواقع متفقة في ما بينها أكثر مما هي مختلفة. الأمر نفسه حصل ويحصل مع ذوي ضحايا انفجار مرفأ بيروت، الذي وقع في 4 أغسطس/ آب الماضي. حين أظهر الناس وأهالي الضحايا دعمهم رفع الحصانات النيابية والأمنية عن مختلف الشخصيات المرتبطة، بشكل أو بآخر، بسبب موقعها الرسمي، بالانفجار، بدأت الحملة المضادّة التي أظهرت مدى وحدة الأحزاب اللبنانية ضد كل ما هو حق وللناس. تتحجّج الأحزاب أن القاضي "غير نزيه"، وأنه "كان عليه استدعاء آخرين"، لكنهم، في المقابل، يعلمون أن القاضي العدلي، طارق بيطار، الذي يقود تحقيق الانفجار، قدّم الملفات كاملة بموجب القانون، وإلا كان أُطيح مثلما حصل مع سلفه فادي صوّان الذي لم يدم تعيينه قاضياً للتحقيق طويلاً، بعد أن حاصرته الأحزاب، وأطاحته بسبب تضرّر منزله في الانفجار، "ما كان سيؤثّر على حكمه" وفقاً لها. غير أن بيطار وصل إلى الخلاصة نفسها التي توصّل إليها صوّان، من دون أن يجد مناوئوه أي مجالٍ لمحاصرته، سوى بتفعيل المجلس الأعلى محاكمة الرؤساء والوزراء، لرفض رفع الحصانة النيابية عن كل من استدعاه القضاء. ولم ينعقد هذا المجلس تاريخيا سوى مرتين، لمحاكمة الرئيس الأسبق أمين الجميل والوزير الأسبق شاهيه برصوميان، في تسعينيات القرن الماضي. ولم تأتِ المحاكمة وقتها لأسباب قضائية، بل سياسية بحتة. وهو ما سيحصل في موضوع انفجار المرفأ في حال الإصرار على رفض رفع الحصانات النيابية.
وفي وقتٍ يستعدّ فيه أهالي الضحايا والناس لإحياء الذكرى السنوية الأولى للانفجار الأربعاء المقبل، يعمل كل من له علاقة، مباشرة أو غير مباشرة، على التنصّل من مسؤولياته، بل وحماية نفسه عبر رفض رفع الحصانات عنه. عملياً، ليست المصيبة في الهروب من القضاء، بغضّ النظر عما إذا كان المُستدعى بريئاً أم لا، بل المصيبة في نجاح هؤلاء في تدبير شبكة الأمان الخاصة بهم، معتمدين على ولاء المجلس النيابي للمصالح الشخصية. أما الوقاحة فتتجلّى في انتقادهم القضاء اللبناني ووصفه بأنه "غير نزيه". صحيح أن هناك فاسدين في مختلف قطاعات المجتمع اللبناني، وضمنهم القضاء، غير أن المنطق الذي ساد سابقاً حيال "التشديد على استقلالية القضاء" يُظهر فعلياً حالة النكران التي تعيشها مختلف الفئات السياسية، ذلك لأن كل قاضٍ في منصبه يُعيّن بدعم من فريق سياسي، وفقاً للتوزيع الطائفي للقضاة، شأن كل شيء في لبنان، ولا يمكنه الخروج من عباءتهم. وفي حال تمكّن أحد القضاة من إظهار استقلالية فعلية في أي ملف، فسيُحارب "حتى آخر رجل".
في المقابل، الاستناد على تحقيق دولي بشأن انفجار المرفأ سيُشكّل تحدّياً غير مضمون النتائج، ففي قضية اغتيال رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق، رفيق الحريري، ذكرت المحكمة الدولية الخاصة بلبنان أن أحد عناصر حزب الله، سليم عياش، متهم بـ"القتل العمد". لكن المحكمة لم تتمكّن من استكمال المحاكمات، بسبب تخلّف لبنان عن الدفع بسبب أزمته الاقتصادية الخانقة. وبالتالي، قد يتم الانتهاء من عملها قريباً، من دون متابعة ملفات الاغتيال والتفجير التي هيمنت على الساحة اللبنانية بين عامي 2005 و2007. لذلك، سيضعنا اللجوء إلى التحقيق الدولي أمام تحدّيات مماثلة، خصوصاً في حال الفشل الرسمي في تمويلها أو في حال رفض المنظومة الحاكمة تسهيل عملها.
خلال استذكار حرب الجبل التي وقعت في لبنان عام 1983، قال رئيس الحزب التقدّمي الاشتراكي، وليد جنبلاط، في إحدى المقابلات: "هم غزوا (القوات اللبنانية) نحنا غزونا (الاشتراكيون) والأبرياء يدفعون الثمن دائماً". حتى هذه اللحظة، لا يزال الأبرياء يدفعون الثمن.
المصدر: العربي الجديد.
الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن آفاق نيوز".