مصير الانتخابات في الزمن الإيراني
تشرين الثاني 10, 2021

أرنست خوري

ليس في ما حصل ولا يزال يحصل في العراق منذ انتخابات العاشر من أكتوبر/ تشرين الأول الماضي ما يثير العجب. إنه النتيجة المنطقية لما تفعله مليشيات حاكمة، تجاهر ليل نهار بولائها لدولة أخرى، عندما تتلقى صفعة من وزن خسارة في استحقاق تكرهه: انتخابات نزيهة. هو نفسه ما يمكن أن ترتكبه عندما يُصدر قضاء مستقل حكماً لا يعجبها. العراق ولبنان مختبران لاستحالة الجمع ما بين فكرتَي الدولة والمليشيا، الديمقراطية والعصابة، المواطنة وتنظيمات طائفية دموية. الانتخابات في المنطق الإيراني الحاكم ليست أداة لإنتاج النخب وتداول السلطة، ولا وسيلة لترقية وسحب ثقة يتولاها الشعب تعبيراً عن محاسبة أو مكافأة، بل هي مصفاة لاختيار الأكثر ولاءً لرأس السلطة. في إيران ــ الثورة، يتقدّم المئات بطلبات ترشيحهم، يقبل منهم المرشد من يشاء، ويبرّر رفض البقية بأن شكوكاً تحوم حول درجة ولائهم لنظام ولاية الفقيه والثورة. انطلاقاً من ذلك، يصبح ظلماً أن يُطلب من مرشحي مليشيات إيران في العراق الاعتراف بخسارتهم الانتخابية الكبيرة، تماماً مثلما ينعدم العدل في توقع رؤية انتخابات تستحق اسمها في دولة حزب الله. هناك، افتُتحت المسخرة، فدبّت الغيرة عند عراقيي إيران فوراً. في لبنان، حصلت انتخابات في 2009، فازت بها قوى ما كان يعرف بـ14 آذار المناهضة لسلاح المليشيا والنظام السوري. فازت 14 آذار، لكن حكومة سعد الحريري لم تعمّر طويلاً، فعادت "8 آذار" لتؤلف حكومتها برئاسة نجيب ميقاتي وبأصوات برلمان كانت قوى 14 آذار هي التي تشكل غالبية أعضائه. همس حزب الله وقتها: أن تفوز بالانتخابات شيء، وأن تحكم شيء آخر تماماً. فزتم بالانتخابات، علّقوا صوركم وابتهجوا، لكننا سنحكمكم.

 

بعد انتخابات العراق عام 2010، اختار قاسم سليماني ووكلاؤه الطريق الأقصر. عامذاك، فازت قائمة "العراقية" التي يتزعمها أياد علاوي على منافستها قائمة "ائتلاف دولة القانون" التي يتزعمها نوري المالكي بفارق مقعدين (91 مقابل 89 مقعداً من أصل 325). فاز أياد علاوي، لكن نوري المالكي هو من ترأس الحكومة. في العراق، أنتجت العبقرية الإيرانية حيلة اسمها "الكتلة الأكبر" في البرلمان بدل الكتلة الفائزة في الانتخابات. أما في لبنان، فاخترع الخبث لغمين اسمهما "الثلث المعطّل" و"الوزير الملك"، أسقطا حكومة سعد الحريري في 2011، وأتيا بوزارة حزب الله وأتباعه. اليوم، حلّ التيار الصدري أولاً في الانتخابات، وبفارق كبير عن بقية الكتل. والصدر لا هو علاوي، ولا هو سعد الحريري. هو يسير في الخط السياسي العام نفسه للمواقف الإيرانية في عناوينها العريضة، لكنه ليس "إيرانياً". والعقل الإيراني التوسعي الحاكم لا يتعامل مع حلفاء ولا مع أصدقاء: إما أتباع أو أعداء. والصدر بخلفيته وجذوره العائلية الشيعية العربية وطموحاته ومشروعيته التاريخية، لا يمكن أن يكون مثل قيس الخزعلي أو هادي العامري أو حتى نوري المالكي ولا حسن نصر الله. لا يقتصر الأمر على تمايز الصدر عن إيران ــ الخمينية في الاجتهاد الديني والفتاوى وولاية الفقيه المطلقة، بل إن الصدر والصدريين يتعاطون مع أنفسهم ومع الآخرين على أنهم يمثلون الجذور الأساسية للتشيع العربي، وأن النجف لا قم هي المرجعية التاريخية، وهذا ما لا يتحمله العقل الإيراني بالنسخة التي أنتجها نظام "الثورة".

لم يكن ممكناً قتل الصدر أو محاولة اغتياله، فمن شأن ذلك أن ينتزع من أيدي حكام شيعة العراق ما تحقق لهم منذ 2003. أما مصطفى الكاظمي، الآتي من المحاماة ومن إدارة المخابرات، فليس وراءه طائفة ولا جمهور ولا "سرايا سلام"، بالتالي أمكن "الولائيين" من زعماء حزب الله العراقي وعصائب أهل الحق تهديده قبل إرسال المسيَّرات الثلاث إلى منزله. في عرف هؤلاء، وحده التصويت بالمسيَّرات تصدق نتائجه، لكنه خاب هذه المرة.

المصدر: العربي الجديد.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".