مع اتفاق نووي أو من دونه
أيلول 21, 2022

أرنست خوري

فشلت محاولات إحياء الاتفاق النووي مع إيران، بعدما دخل النصّ النهائي المقترح من المفوضية الأوروبية دوّامة "الردّ غير البنّاء" و"الردّ المقابل غير البنّاء" بدوره. وليس سرّاً أن جو بايدن قدّم تنازلات إضافية في المفاوضات منذ الغزو الروسي لأوكرانيا، لحاجته إلى النفط والغاز الإيرانيين لعلّهما يضبطان ارتفاع أسعار هاتين المادتين ومشتقاتهما منذ فرض العقوبات على الصادرات الروسية. وإنكار المسؤولين الإيرانيين فضل الرئيس الأميركي في زيادة مبيعات بلدهم من النفط فيه بعض التجنّي. وكالة رويترز نشرت في مارس/ آذار أن صادرات طهران وصلت إلى أكثر من مليون برميل يومياً لأول مرة منذ ثلاث سنوات. في 10 مايو/ أيار، قال الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي إنّ حجم "حصول إيران على عائدات النفط" بلغ ضعف قيمة الصيف الماضي، وإنه "لم يعد هناك أي قلق في هذا الصدد". ذلك لم يكن وارداً لولا الإعفاءات الأميركية الرسمية لشراء الذهب الأسود من إيران، أو غض الطرف من واشنطن على تحصيل طهران الكثير من المليارات التي تحتاج إليها من دون إحياء اتفاق 2015، وفي الوقت نفسه من دون رفع كامل للعقوبات الأميركية عنها. أما الانتكاسة التي لحقت في الأشهر الماضية بعائدات إيران من النفط فلا علاقة لـ"الشيطان الأميركي الأكبر" بها، بل بتخفيض روسيا أسعار نفطها المعاقَب. عن هذا الموضوع، تكتب وكالة "بلومبيرغ" في أغسطس/ آب الماضي أن ناقلات النفط العالمية التي كانت تحمل النفط الخام الإيراني سابقاً للالتفاف على العقوبات أصبحت تفضّل النفط الروسي لأنه الأرخص وزبائنه كثر.

نحن أمام طاقم أميركي حاكم تعهّد رئيسه بايدن قبل انتخابه بإحياء "خطّة العمل الشاملة المشتركة"، وآخر إيراني معظم رموزه من معارضي الاتفاق أصلاً. أمس واليوم، جو بايدن يهمه من الاتفاق أمران: النفط الإيراني لخفض السعر عالمياً من دون رفع كامل للعقوبات المفروضة على إيران من خارج بنود الاتفاق النووي، ثم عدم السماح لإيران بصنع القنبلة النووية. هذه مقابل تلك، مئات المليارات مقابل التخلي عن المشروع النووي لغايات عسكرية. طموح ساذج ورثه بايدن عن باراك أوباما الذي قضى أشهراً طويلة يطمئن محبّي المشروع الإيراني إلى أن لا ملاحق سرية أو ضمانات في اتفاق 2015 تحدّ من التخريب الإيراني في البلدان العربية، أو تحول دون استخدام المليارات في حروب طهران لتصدير ثورتها. ولأنّ أيديولوجيا حكّام إيران تغلب الواقعية السياسية عندهم، فقد تمسكوا بالحد الأقصى الذي يدفن محاولات إحياء الاتفاق. اشترطوا رفعاً كاملاً للعقوبات حتى تلك التي لا علاقة لها بالاتفاق، وتعويضاً عن خسائر حقبة 2018-2022، وتعهداً أميركياً مكتوباً (ربما تغييراً في الدستور الأميركي) بألا تنسحب أي إدارة أميركية مستقبلاً من تلك المعاهدة الدولية، ورفضاً لمواصلة تحقيقات الوكالة الدولية للطاقة الذرية التي عثرت على آثار يورانيوم مخصب في ثلاثة مواقع، تؤكد أن إيران لم تتوقف عن التخصيب بأعلى من النسبة المسموحة، بشكل يمكّنها من أن تنتقل بفترة زمنية قصيرة من النووي السلمي إلى النووي العسكري، لا قبل اتفاق 2015، ولا خلال سنوات عمره الثلاث، ولا بعدها. في هذا الوقت الضائع، يحين موعد انتخابات الكونغرس في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، مع احتمال كبير بفوز الجمهوريين المعارضين للاتفاق، ويتأكد أن فرص فوز دونالد ترامب في 2024 جدية جداً. أراد بايدن إحياء الاتفاق قبل التحولات الكبرى المحتملة داخل بلده، فقابلته طهران بكل هذا التشدد الذي تستحقه تلك السذاجة الأميركية. أمام وضع كهذا، تكتفي أميركا بمواصلة غضّ الطرف عن بيع النفط الإيراني في السوق النظامية أو السوداء، وتعطي لإسرائيل ضوءاً أخضر للتكفل باستهداف كل ما يمكّن إيران من تطوير سلاح نووي بدل أن تقوم آليات الاتفاق النووي بهذه المهمة.

باتفاق نووي ومن دونه، التخريب الإيراني في المنطقة العربية يحقق نجاحات باهرة ولا تتناوله أية مفاوضات. باتفاق نووي ومن دونه، تستمر إيران سجناً هائلاً للأفكار وللحرية وللنساء، ومصنعاً للحروب المتنقلة.

المصدر: العربي الجديد.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".