مفاوضات فيينا ولعبة الوقت
كانون الأول 10, 2021

بشير البكر

جولة جديدة من مفاوضات فيينا لإحياء الاتفاق النووي الإيراني، والهدف منها تدارك الفشل الذي عرفته الجولة السابعة التي انتهت يوم الجمعة الماضي، ولم تدم أكثر من أربعة أيام، وسجلت تراجعا كبيرا عما حققته الجولات السابقة التي بدأت في إبريل/ نيسان الماضي. وبدلا من استئناف المباحثات من حيث توقفت في يونيو/ حزيران الماضي، أراد لها الوفد الإيراني أن تبدأ في الجولة السابعة على أرضيةٍ مختلفة، تمثلت في تقديم اقتراحاتٍ لم تحظ بالقبول من الأطراف الأوروبية (فرنسا، بريطانيا، ألمانيا)، في مجموعة 5+1، كما أنّ روسيا والصين فوجئتا بمدى تراجع إيران عن الاتفاقات السابقة. وتلخص العرض الإيراني الجديد في مسودتين: ركّزت الأولى على رفع كامل للعقوبات الدولية المفروضة على إيران، تلك المتعلقة بالاتفاق النووي، وما سبقه أو جاء بعده. ومثّل ذلك تراجعاً بنسبة 80% عن حلولٍ عرضتها طهران في الجولات الست السابقة من المحادثات مع حكومة حسن روحاني، قبل أن تصل الحكومة الحالية إلى الحكم وتغيّر بنية الوفد المفاوض، وتسلّم رئاسته إلى نائب وزير الخارجية علي باقري كني، المعارض للاتفاق النووي أصلاً، ولذلك تبدّل منهج التفاوض كلياً. وحسب الوفود الأوروبية، كانت المسودة الثانية بشأن الالتزامات النووية الإيرانية متشدّدة للغاية. وكشف دبلوماسي أوروبي أنّ الإيرانيين أزالوا كلّ لغة التسوية المتفق عليها مسبقاً بشأن الخطوات التي سيتخذونها لمراقبة برنامجهم النووي. ومن الناحية العملية، يوافقون على قيودٍ أقلّ على برنامجهم النووي من تلك التي وافقوا عليها في اتفاق عام 2015 مع إدارة الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما، والحفاظ على التطويرات الكبيرة التي قامت بها طهران منذ ذلك الحين، في بناء أجهزة طرد مركزي متطوّرة وتخصيب اليورانيوم، بما يتجاوز بكثير ما سمح به الاتفاق الأصلي.

ومن الناحية النظرية، انتهت الجولة السابعة، وعادت الوفود إلى بلدانها للتشاور. لكن من الناحية العملية، بدت شقّة الخلافات كبيرة. وترى واشنطن في المقترحات الجديدة أنها صادرت جميع الحلول الوسط التي قدّمها الأوروبيون والولايات المتحدة بشكل خاص. وهي لذلك تشكّل مصدر خلاف كبير بين واشنطن وطهران، يصل إلى حد إعلان مسؤول كبير في الخارجية الأميركية أن بلاده تستعد لاحتمال عدم العودة نهائياً إلى الاتفاق النووي. وبغض النظر عن نجاح الجولة الثامنة أو فشلها، تبدو واشنطن أمام اللحظة الحرجة أكثر من أي وقت مضى، وهي مطالبةٌ بموقف حاسم وسط ضغوط إسرائيلية، وإجماع أوروبي، على أن إيران تمارس لعبة كسب الوقت، ومن بين ما تفكّر به الولايات المتحدة استمرار تشديد العقوبات، لكنّها بدأت تتحدّث صراحة، في الآونة الأخيرة، عن خياراتٍ أخرى، وحذّرت من اللجوء إلى وسائل غير الدبلوماسية، وأنّ هناك ثمناً ستدفعه إيران إذا مضت في انتهاك الاتفاق وتسريع برنامجها النووي.

وغير بعيد عن هذه التجاذبات، شهدت منطقة الخليج تطوراً مهماً، تمثل في زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى الإمارات وقطر والسعودية، وهي الزيارة التي تركزت على صفقتي أسلحة فرنسية كبيرتين لكلّ من أبوظبي والرياض، الأمر الذي أزعج طهران، لأنّها كانت تعتبر أنّ علاقاتها الخاصة مع باريس قد جذبت فرنسا إلى طرفها، لكنّ تحرّك ماكرون بعث رسالة واضحة، فحواها أنّ فرنسا تؤيد معسكر الدول التي ترى أنّ إيران تنتهك الاتفاق النووي وتسرّع من برنامجها النووي، وتعزّز ذلك بعد زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي يئير لبيد إلى باريس. وظهر التغير في الموقف الفرنسي حين ضغطت باريس من أجل استقالة وزير الإعلام اللبناني جورج قرداحي، قبل وصول ماكرون إلى الرياض، وهو الذي يساهم في فتح الباب لعودة خليجية إلى لبنان من موقع قوة، وليس حسب شروط حزب الله.

المصدر: العربي الجديد.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".