مقتل سليماني.. توحيد إيران وانقسام العرب.
كانون الثاني 10, 2020

عبدالله جنوف.

يُعتبر قاسم سليماني هبة الثورة الإيرانيّة، فهي التي أخرجته من حياة الفقر، وجعلت منه قائدا عسكريّا كبيرا، بعدما كان بنّاءً ثمّ موظّفا صغيرا في بلديّة كرمان، وفتحت له أبواب الشهرة والمجد. ويبدو أنّه اكتشف طاقاته في الثورة، فآمن بها إيمانا صلبا، واعتنق ولاية الفقيه اعتناقا تامّا، وتنقّل في التخطيط والقتال من ميدان إلى ميدان، حتّى أصبح، في العشريّة الأخيرة، عينَ النظام الإيرانيّ وسمْعَه ويده الباطشة في العراق وسورية خاصّة، وثبّت نفوذ إيران العسكريّ، ووسّع تأثيرها الديبلوماسيّ. ولم يتوانَ النظام الإيرانيّ في أسْطرة سليماني، فنفخ في صورته نفخا متّصلا، وأنتج، سنة 2016، فيلما "بادیگارد" اعتُبر تصويرا لبطولاته، وقُدّم فيه البطل رجلا رحيما شهما. وروّجت وسائلُ إعلامه نماذج منتقاة بعنايةٍ من سلوكه اليوميّ لتُظهره مسلما متسامحا متحرّرا من الطائفيّة، فسوّقت مثلا رسالة اعتذار تركها الجنرال في بيت رجل سنّيّ في البوكمال السوريّة، بعدما أقام فيه أيّاما، واستخدمه بغير إذنه، وكتب في أسفل الرسالة رقم هاتفه للاتّصال به. وصاحبت هذه الصورةَ الوديعة صورةٌ مقابلة بدا فيها سليماني رجلا قليل الكلام، كثير العمل، صارما غامضا حازما، مستعدّا للقتال في كلّ حين، موقنا بالانتصار حيثما حلّ.

كان سليماني استثنائيّا في كثرة نشاطه وصبره وطريقة عمله، ولكنّ تجربته في العراق وسورية لا تدلّ على عبقريّة عسكريّة أو سياسيّة خارقة، فقد كان في المفاوضات يوجّه المسؤولين العراقيّين والسوريّين بمنطق الأوامر، وكان في الميدان يطبّق استراتيجيا الأرض المحروقة، وما فعله في جرف الصخر والثأر لمجزرة "سبايكر"، وفي اقتحام حلب، يمكن أن يصل إلى جرائم الحرب. ويعمل النظام الإيرانيّ ووكلاؤه عملا متّصلا لمحو هذه الصورة السلبيّة، فيُشهرون تهمة نمطيّة في وجه كلّ منتقد لسليماني أو مهوّن من شأنه، وهي الطائفيّة ومعاداة الثورة الإسلاميّة.

لقد استثمرت إيران كلّ شيء في تجربة قاسم سليماني، فهو الجنرال الرفيع، والجنديّ المطيعُ،  وهو الوديعُ الصارمُ، والإنسانيّ المنتقم، والودود المتشفّي، وهو الذي وهب الثورة حياته وروحه، ووهبته المجدَ كلَّه، وهو الذي سمّاه المرشد خامنئي الشهيد الحيّ في حياته، وبكاه حتّى أبكى في جنازته، وهو الذي حرّك ملايين الأتباع، وشيّعه ملايين الأتباع. هذه الصورةُ المركّبةُ من الوضوح والغموض، والرفعة والتواضع، والاستقلال بالرأي والخضوع للإمام، والبطولة والشهادة، المكلّلةُ بتاج الثورة وسيادة الدولة، جعلت من سليماني بطلا قوميّا/ شيعيّا/ إسلاميّا. وقد صنعها النظام الإيرانيّ، ووظّفها في إثارة الوجدان، وتوحيد الأتباع في المركز (إيران) والمجال الحيويّ (العراق وسورية ولبنان) وهوامش التمدّد (فتح سجل التعازي في بلدان عربيّة بعيدة)، واستعملها لتخويف الولايات المتّحدة من الانتقام الكبير الذي سيحلّ بها. وجوهر هذا الخطاب مفهوما الشهادة والمظلوميّة، ولكنّه خطاب شديدُ التركيب متعدّدُ الأصوات، يستجيب له القوميّ الفارسيّ والوطنيّ الإيرانيّ والشيعيّ الطائفيّ والمسلم العاديّ والحليف السياسيّ، ويتوجَّسُهُ العدوّ الأجنبيُّ. وقد نجحت إيران في مراكمة تجاربها وتطوير أساليبها في هذه الاستراتيجيا، فصنعت بها شهداءها، وخلّدت أبطالها، ومجّدت غاياتها وأهدافها، وجدّدت وحدتها، وأنشأت مجالا فيه تُهندس البطولة، وتتفجّر طاقة الإيرانيّ في خدمة ولاية الفقيه.

وأمّا في الدول العربيّة، فقد انقسم الناس فريقين: شامت مستبشر وحزين متحسّر. وامتلأت مواقع التواصل بشعور شعبيّ عامّ، يعبّر به أصحابه عن سعادتهم بمقتل سليماني الذي يعتبرونه شريكا في قتلهم وتشريدهم، وتجاوزوا التعبير عن الفرح إلى الدعاء عليه بدخول النار، والقطع بذلك. واكتظّت المواقع أيضا بتعليقات أصحاب المقاومة والممانعة، وبمسارعتهم إلى تصنيف الناس، وتوزيع شهادات المقاومة الأمميّة وبطاقات التخوين.

والشماتة غير جائزة في الدين، ولا نفع في الاستبشار بالموت، ولا معنى في ميزان العقل لتمنّي دخول شخص النار، فهذا أمر غيبيّ لا تراه عين، ولا يعرفه إنسان، ولا سلطان لأحد عليه. وحسبُ المسرور الشامت المتمسّك بإعلان شماتته خروجُ المقتول من الدنيا لتستريح الأرض من شرّه، فموقف الفريق الأوّل إذن انفعالٌ غير منتج. إذ إنّ غلبة الانفعال وغليان الشماتة يجعلان الموقف هيجانا عابرا، ويجرّدانه من القصديّة.

وموقف الفريق الثاني يردّد أنّ السرور بمقتل سليماني تشفٍّ واصطفافٌ مع أعداء الأمّة، وهو تكرارٌ غير منتج أيضا، إذ لا وجود في الواقع لجسمٍ موحّد يسمّى الأمّة الإسلاميّة، وإنّما هي أممٌ لا توحّدها في الغالب الأعمّ مصلحة اقتصاديّة، لا قرار سياسيّ، ولا شعيرة دينيّة (العيدان مثلا)، ولا يكاد يجمع بينها إلّا ظاهر الانتماء إلى الإسلام. وفي هذا الموقف تناقضٌ داخليّ، فأصحابه يقولون إنّ صدّام حسين بطل الأمّة، والتشفّي منه اصطفافٌ مع أعدائها. وإنّما تتشفّى منه إيران التي يؤيّدون سياستها، ويمجّدون قتلاها، وينعتون معارضيها بالانحياز إلى أعداء الأمّة.

هذان الموقفان يبدوان شرخا من الشروخ العميقة في مجتمعاتنا. وقد يُفهمان عند من جمعتهم بسليماني علاقة أو تجربة من الفريقين. لكنّ سرعة فشوّهما تُبرز ظاهرة سلبيّة هي "تناسخ المواقف والعواطف"، وتعني تناقل الموقف والشعور بتعصّب، ومن غير استعداد لمراجعتهما أو رفضهما. ويستوي في ذلك المواطن العاديّ، والباحث الجامعيّ، و"المفكّر". ونتيجة هذه الظاهرة أن يصبح المواطن العربيّ هيكلا معطّلَ العقل والحواسّ والضمير، مضطربَ الانتماء والولاء، فاقدًا للقصد، عاجزًا عن إنتاج الموقف والاستقلال به والدفاع عنه، يُقتل أبطال أمّته فيسحقهم بتجاهلهم أو نسيانهم أو تصنيفهم تصنيفا إيديولوجيّا قاصرا، ويولد رموزها فيشوّه رمزيّتهم ويقتلها. وإذا فشت هذه الظاهرة وعمّت، ألف الإنسان العبوديّة، وضاق مجال فعله، وحطّمته الانفعالاتُ.

المصدر: العربي الجديد.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".