من خذل الفرسان الستة؟
أيلول 21, 2021

عيسى الشعيبي

أبرزت مظاهر التأييد العارمة لفرسان سجن جلبوع، وما رافقها من مشاهد ومواقف ابتهاج غامرة، شملت سائر القوى وكل الفصائل ومختلف المستويات داخل الأرض المحتلة وخارجها، مدى مركزية قضية الأسرى في الوجدان الفلسطيني العام، كما أكّدت هذه المظاهر، المفعمة بروح التعاطف الوطني الصادق، شدة تعلّق عامة الناس المقهورين داخل السجن الأكبر بقيمة الحرية، وعمق اهتمامهم بهذه المسألة المدرجة على أجندتهم السياسية منذ ربع قرن من دون طائل، والمتربّعة، في الوقت ذاته، على سنام كفاحهم التحرّري المتواصل، ونعني بها مسألة خلاص مناضليهم من القيد، بكل ثمنٍ ممكن، بما في ذلك خطف جنود، أو حتى الاحتفاظ بأشلاء، لإجراء عمليات تبادل، تفضي إلى تحرير خيرة الخيرة من أبنائهم، سيما المحكومون منهم بمؤبدات عدة.

وسط هذه المظاهر والمواقف الباعثة على الاعتزاز، وفي غمرة مشاعر فخرٍ بلغت عنان السماء، بفعل انتزاع ستة أسرى حرّيتهم عبر نفق سجن جلبوع، حدث ما كان في حسبان الكثرة الكاثرة، ممن كانت أبصارهم تشخص إلى بصيص ضوء في عتمة هذا الليل الفلسطيني الطويل، وذلك حين ألقت سلطات الاحتلال البغيض، في ظروف ملتبسة، القبض على أربعة من الفرسان، واثنين بعد ذلك، ممن باتوا أبطالاً قوميين، الأمر الذي ردّ الحالة الوطنية العامة إلى سيرتها الأولى، وأشاع في أجوائها قدراً مضاعفاً من الأسى والحسرة والإحباط.

لم يكن في هذا المآل المؤسف سرّ مكتوم، ولا في هذه الحكاية صفحة مطوية أو قطبة مخفية، إذ كل ما في الأمر أن هناك تقصيراً وقع، وأن هناك أيضاً خللاً مسكوتاً عنه، وقسطاً من المسؤولية الضائعة بين الفصائل والقبائل، ربما خشية تقاذف كرة الاتهام، وتجنباً للتلاوم وزيادة الاحتقان، وفوق ذلك درء الشعور بالخذلان إزاء هؤلاء الأبطال، خصوصا بعد أن صفّقت أكف الجميع لهم بحرارة، وصدحت الحناجر بمجد صنيعهم عالياً، من غير أن يسأل أحد عن الانتماءات الجهوية، أو أن يتساءل عن هويتهم التنظيمية، حيث نظر إليهم الآباء والأمهات على أن هؤلاء الرجال أبناء نجباء، واعتبرهم الشباب والشابات أشقاء أعزاء، فمن في وسعه بعد إعادة الاعتقال مدارات خيبة الأمل، والتحلل من الحس بخذلان من أبلوا أحسن بلاء، ورفعوا المعنويات والرؤوس والتوقعات.

في البداية، وفور إذاعة خبر عبور الفرسان الستة نفق الحرية، راح بعض المناضلين الأشداء على الشبكة العنكبوتية، المتربصين بالحالة الوطنية الفلسطينية، يحاولون تشتيت الأنظار المشدودة نحو مصير الأسرى المحرّرين، وتوظيف المخاوف المشروعة حيالهم في خدمة الانقسام الداخلي، حيث بدأت هذه المحاولات الخبيثة بإشاعة أن السلطة تنوي تسليم الستة، وانتهت بتعميم صورة بيان رئاسي مزوّر، يطلب من أجهزة الأمن التعاون مع الاحتلال للقبص عليهم، وما كان لمثل هذه الاتهامات أن تسقط دفعة واحدة، لولا أن عملية القبض الأولى تمّت قرب مدينة الناصرة، أي خارج نطاق ما قد تطاوله ذراع السلطة المتهمة سلفاً بالتآمر على ما بات أنبل ما لدى شعب فلسطين من رموز كرامة واعتزاز.

وفيما كانت سلطات الاحتلال تفرض رقابةً صارمةً على الأنباء المتعلقة بنفق الحرية، وتسرّب ما يخدم نهجها في تعزيز الفرقة، وإشاعة لعنة الفتنة بين الصفوف الفلسطينية، أخذ الرعاع المرابطون، ليلاً ونهاراً، على وسائل التواصل الاجتماعي، يتبنون، بلا تبصّر أو تحسّب، سفاسف الرواية الإسرائيلية، وينسجون على نوْلها غزلاً مشابهاً، بما في ذلك زعم أن فلسطينيين وشوا بالأسرى، أو ادّعاء أن مواطنين عربا من الناصرة سلّموا اثنين منهم للشرطة الإسرائيلية، ولولا، مرة أخرى، أن الأسرى نفوا ذلك أمام محاميهم، لوجد المتربّصون ضالتهم المنشودة، في بثّ التحريض ضد عرب 48، بما في ذلك تهديدهم بالقتل إن دخل أحدهم مناطق الضفة الغربية.

مقابل ذلك كله، ومنعاً لتضييع المسؤولية عن الإخفاق، الذي تتحمّله الحالة الفلسطينية المنهكة، ينبغي القول بوضوح إن هذه العملية البطولية كانت بتوقيع حركة الجهاد الإسلامي، التي كان لها أن تفخر بها الفخر كله، لو أن هذه الحركة أعدّت لعمليتها الجسورة كامل العدة، وحسبت لما بعد الخروج من النفق الحساب بدقة، حيث بدا أن "الجهاد" التي يوجد ثقلها في قطاع غزة، مع امتدادٍ محدود في الضفة الغربية، وتفهم أن المقاومة مجرّد قذائف صاروخية، كانت خارج التغطية، بدون قاعدة تنظيمية يعتدّ بها، ومن غير خبراتٍ سياسيةٍ كافية. وبالتالي، بلا بنية لوجستية مؤهلة لإدارة معركة ما بعد عبور النفق، وهي معركة أشد ضراوة من سابقتها.

المصدر: العربي الجديد.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".