من دحرج لبنان إلى الهاوية؟
آب 17, 2021


عيسى الشعيبي

بعد كلّ ما جرى ويجري في لبنان، لم يعد السؤال المطروح عن ماهية القوى التي دهورت البلد الجميل من سيئ إلى أسوأ، ووضعته على حافّة جرفٍ سحيق، وإنما السؤال الأكثر أهمية، بعدما انزلق هذا البلد إلى مرتع وخم، بات يدور حول من هي الجهة المعرّفة بالألف واللام، التي أمسكت بقرار اللبنانيين ورقابهم، منذ عقدين على الأقل، وألقت ببلاد الأرز إلى قعر واد سحيق، لغرضٍ في نفس يعقوب إيراني معمّم، يعمل بلا كلل على تقويض العالم العربي من الداخل، خدمة لمشروعه الإمبراطوري.

من يودّ أن يستغرق نفسه في تفاصيل المشهد الداخلي المعقد، وأن يحيل علة الانهيار المتفاقم إلى هذا السبب أو ذاك، بما في ذلك تحميل الطبقة السياسية الفاسدة مسؤولية هذا الخراب العميم، لا يود حقاً أن يسمّي الولد باسم أبيه الحقيقي، إما تجهيلاً للفاعل مرهوب الجانب منذ اجتياح بيروت عام 2008، أو تواطأً معه، وطمعاً في تأمين الحماية من شرّ تقلبات ميزان داخلي شديد الهشاشة والسيولة وبالغ الحساسيات.

قد يقول قائل إن الفساد المستشري في لبنان هو أس هذه الكارثة التي لم يقع مثيل لها في عز دين الحرب الأهلية، ولا حتى خلال الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، وهذا قولٌ صحيح، وقد يعيد آخر السبب إلى عيوب غائرة في قلب النظام الطائفي القائم على المحاصصة واقتسام كعكة المال والنفوذ، وهو قولٌ لا غبار عليه، إلا أن ذلك كله، وربما غيره، لا يكفي لوضع الإصبع على الجرح المفتوح، وجلاء الصورة بالكامل، ونعني به هذا التحالف غير المقدّس بين السلاح والفساد القائم على رؤوس الأشهاد.

ذلك أن وجود البندقية على الطاولة، أو قل في إطار اللعبة السياسية، أمر من شأنه أن يُخلّ بالتوازنات الداخلية، وأن يؤدّي إلى الاستقواء، وأن يُفسد العملية من أساسها، تماماً على نحو ما يحدث في العراق وليبيا واليمن وغيره، إلا أن لبنان هو المثال الأوضح على غلبة منطق السلاح على كل ما لدى الأحزاب والقوى المدنية من حجّة ومنطق وبيان، ولعل تعطيل انتخاب الرئيس اللبناني عامين ونصف العام، إلى أن فرض حزب الله مرشحه الأوحد، الجنرال ميشال عون، على جميع الأطراف، خير دليل على هذا المرض العضال.

بكلام آخر، بلاء اللبنانيين في هذه الآونة هو النتيجة الطبيعية لكل ما آل إليه دخول البندقية الإيرانية على لعبة الحكم والحكومة في بلدٍ ينخر الفساد بنيته السياسية، وفائض القوة لدى الحزب الممانع، خصوصاً بعد ارتداده نحو الداخل، وتوظيف بندقيته في الزواريب الداخلية، بما في ذلك تحالفه مع مافيات الفساد المقنن، قد أرخى بظلاله السوداء على مختلف مناحي الحياة، الاقتصادية والمالية والسياسية، وأفضى من ثمّة إلى كل هذا الانهيار المريع.

وأحسب أن هذا الاستخلاص كان مكتوباً من قبل على الحائط بالخط الأحمر العريض، وأنه كان مقروءاً لكل عين مبصرة، داخل لبنان وخارجه. وأحسب أيضاً أن هذا الرأي بات محل رأي واسع النطاق، يهجس به بعضهم بصوتٍ خفيت، ويصرخ به آخرون بأعلى صوت، وهذه في حد ذاتها إشارة على عودة الوعي في أعطاف مجتمع أرهبه السلاح طويلاً، وقد تكون الخطوة التأسيسية الأولى على خسارة حزب السلاح هيمنته المطلقة على البلاد والعباد، في أول خندق إيراني أقيم على ضفاف البحر المتوسط.

يُعزّز هذا الاستنتاج المبكر بعض الشيء أن دويلة الحزب التي صادرت القرار الوطني، وصارت أقوى من الدولة الكرتونية، لا تملك حلاً لأيٍّ من جوانب الأزمة اللبنانية المستفحلة، سيما الأزمة المالية والمصرفية، ناهيك عن الكهرباء والدواء وغيره الكثير، فلا الوعود بجلب بواخر النفط الإيراني تحقّقت، ولا هي قابلة للتحقق، وليس لدى الولي الفقيه فوائض يقدّمها للخزينة اللبنانية، الأمر الذي من شأنه أن يضعف من سطوة الوكيل الإيراني على مقاليد الحكم والتحكّم، ويفلت من يده الزمام.

ولعل الظاهرة الأكثر أهمية، وغير المسبوقة على أي حال، تعرّض ثلاثة من نواب الحزب المدجّج إلى رشق بالحجارة في ثلاث مناطق محسوبة عليه في الجنوب والبقاع، على خلفية ما يبدو تمرّدا أو ضيق ذرع بما آل اليه حال الناس. وما يلفت أكثر أن زعيم الحزب الذي خسر سمعته خارج لبنان قد بدأ يخسر هيبته داخل حاضنته، بعدما علت الشتائم ضده في قلب معقله في الضاحية الجنوبية لبيروت.

المصدر: العربي الجديد.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".