ناخبو لبنان بين الوعود الانتخابيّة والتزامات السياسيّين
أيار 04, 2018

وائل نجم – كاتب وباحث

ساعات معدودة وتُفتتح مراكز الاقتراع وصناديقه أمام الناخبين في مرحلتها الرابعة ليدلي الناخبون بأصواتهم في هذه المرحلة بعد انتهاء مرحلة تصويت المغتربين ورؤساء الأقلام والكتبة، وقبل أيام من المعركة الانتخابية الحاسمة في أكثر من دائرة، ارتفعت الحماوة الانتخابية، وزاد منسوب الوعود الانتخابية من المرشحين ومن رؤساء اللوائح ورؤساء الأحزاب والقوى السياسية للناخبين على أمل الحصول على صوتهم التفضيلي. فما هي الوعود التي قطعها المرشحون ورؤساء القوى السياسية؟ وهل يمكن الركون إلى تلك الوعود وتحقيق تلك الالتزامات؟

سيل كبير من الوعود المختلفة الأشكال والألوان والأحجام أغدقها عدد كبير من المرشحين ورؤساء اللوائح والقوى السياسية، بدءاً من تحسين الوضع المعيشي، مروراً بالتوظيف وإيجاد فرص العمل، إلى تصريف الإنتاج الزراعي، إلى تأمين الكهرباء 24/24، إلى المشاريع الإنمائية الوهمية من مدارس وجامعات ومهنيات وغيرها، إلى مكافحة الفساد والفوضى والهدر وكل هذه العناوين، فضلاً عن مسألة الحديث عن الكرامة والحماية والعزّة والذود عن الحياض، حياض الطائفة أولاً قبل حياض الوطن، إلى غيرها وغيرها من الوعود الانتخابية التي يغدقها أولئك على الناخبين.

ليس عيباً أن يتقدم أي مرشح من المرشحين بتعهدات ووعود أمام ناخبيه، بل لعلّ البرامج الانتخابية التي يتقدّم بها المرشحون في الدول المتقدّمة ديمقراطياً هي عبارة عن تعهدات ووعود يتعهد المرشح بالعمل على تحقيقها من أجل الناخبين، وتجري محاسبته بعد فترة على أساس ما أنجز منها وما لم ينجز. ولكن العيب أن الذين يتقدّمون بتلك التعهدات والوعود هم مسؤولون في سدة المسؤولية والسلطة منذ سنوات طويلة. بيدهم مقاليد الأمر والنهي، وعندهم مقدرات الدولة، وبإمكانهم إيجاد الحلول للكثير من الأزمات كالكهرباء والنفايات والمياه والازدحام المروري والبطالة والفقر والكساد والفساد وغيره. بإمكانهم القيام بمشاريع تنمية متوازنة في كل البلد. بإمكانهم أن يجعلوا الخدمات الأساسية تصل إلى المواطنين دون منّة من أحد. بإمكانهم أن يطوّروا الإدارة حتى لا يهدر المواطن ماله ووقته وجهده من أجل الحصول على معاملة رسمية واحدة من إدارة من إدارات الدولة. بإمكانهم القيام بدورهم كمسؤولين في مواقع المسؤولية التي يشغلونها ويتقاضون عليها رواتب وبدلات مالية من الضرائب التي يدفعها المواطن اللبناني. بإمكانهم  تخفيف نفقات سفرهم ومخصصاتهم المالية حتى تتحوّل تلك الأموال التي يجري توفيرها إلى مشاريع تخدم المواطن، القائمة تطول في الحديث عن كل ما يمكن أن يفعله أولئك، ولعلّ في رأسه ومقدمه وقف الهدر والفساد والسمسرة والمحسوبية التي من شأنها أن تجعل البلد يتعافى من الكثير من أزماته، وهناك شواهد لدول خرجت من أزماتها عندما أوقفت الهدر والفساد والمحسوبيات.

المشكلة أننا نسمع من بعض أولئك المرشحين «جعجعة» ولا نرى طحيناً. نسمع وعوداً ولا نرى التزامات ولا نشاهد تنفيذاً لبعض تلك الوعود. تابعنا جميعنا الأسبوع الأخير بعض الوعود التي كان يطلقها بعض المرشحين ممن جال وصال في الكثير من المناطق اللبنانية، ولفتني أنه على الرغم من وجوده في سدّة مسؤولية كبيرة بيدها مقاليد الأمر والنهي في البلد، لم يحمل مشروعاً واحداً لمنطقة من المناطق التي زارها وأغدق عليها الوعود. بل الأنكى من ذلك، فقد زار إحدى المناطق التي تعاني الحرمان والإهمال منذ عشرات السنين مغدقاً الوعود على أهلها، ولكنه نسي أن يأتي لهم بالكهرباء التي كانت مقطوعة عنهم لمدة ثلاثة أيام مع كل المناشدات التي أطلقوها، وقد كان حرياً به أن يفعل ذلك حتى، بالحد الأدنى، يتمكن الناخبون في تلك المنطقة من متابعة جولته التي كانت تبثها إحدى الفضائيات بتفاصيلها الدقيقة. لقد كان حرياً بأولئك أن يأتوا بالمشاريع والخدمات والإنماء قبل أن يأتوا لهم بالوعود، فمن الذي كان يمنعكم من العمل والخدمات والشغل بدل أن تقدموا اليوم الوعود والتعهدات.

وفي المقلب الآخر، فإن مسؤولاً من فريق آخر يلاحقنا دوماً بحديثه عن الكرامة والإنجازات والبطولات والصولات والجولات، ويخوفنا دوماً من الآخر الذي لا وجود له سوى في ذهنية البعض، متناسياً أن من حق الناخب والمواطن أن يسأل عن لقمة العيش، وعن سهولة الدرب، وعن التيار الكهربائي والمياه والصرف الصحي وغيرها الكثير الكثير من الأمور الحياتية التي تعني المواطن بشكل يومي. لماذا تأخذون المواطن والناخب دائماً على أماكن أخرى؟ أليس من حقه أن يعيش بكرامة؟ أليس ذلك من الكرامة التي تتحدثون دوماً عنها؟ أليس من حقه أن يعيش بـ«بحبوحة»؟ أليس في ذلك عزّة لنفسه؟! أليس من حقه أن يسأل عن نوابكم ماذا قدّموا على مدار السنوات الماضية؟ وأين الوعود التي قطعت؟ لقد شعر هذا الناخب والمواطن بشيء واحد فقط، هو الفجوة في المعيشة بينه وبين أولئك الذين قيل إنهم يمثلونه، وقد كان بإمكانكم أن تقدّموا له الكثير غير التعهدات والوعود.

الناخب اللبناني يقف اليوم على مسافة ساعات من فتح صناديق الاقتراع وعليه مسؤولية كبيرة، هي مسؤولية أن يسأل نفسه: من قدّم الوعود والتعهدات قبل سنوات، ومن أنجز المشاريع وقدّم الخدمات. من تعهد بمكافحة الفساد ثم غطّاه، ومن كافح الفساد قولاً وعملاً، وبعد ذلك ليترك لضميره الحي أن يقرر لمن يمنح صوته التفضيلي حتى لا يبقى يعيش على الأحلام.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".