نهاية سلامة المؤجلة: أسرار مفاسد الأصدقاء والأعداء تحميه.
آذار 06, 2021

منير الربيع.
حارس عهود وقوى سياسية وطائفية هو رياض سلامة. حامي الجميع، وما يمتلكه يوفر له كل أساليب الحماية. حتى فرض العقوبات عليه - وهو أمر مستبعد راهناً- قد يوفر له في وجه من وجوهه حماية من ما قد يأتي مستقبلاً.
كاتم الأسرار الكبيرة
لا يمكن لمقالة واحدة أن تشرح الكثير عن سلامة. ولا يمكن للمعلومات عنه أن تُستقى من جهة واحدة: حارس المصارف، وعرّاب الهندسات المالية التي تحتاج إلى كشف خباياها.
فالحقبات المديدة وحقائقها تحتاج إلى حفاري قبور، والبحث في مدافن جماعية منسية، لاكتشاف الكثير من الخبايا والأسرار. وعلى قاعدة "دافنينو سوا" دفن رياض سلامة الكثير، وشاركه كثيرون في الدفن.
مخطئ من يظنّ أن حاكم المصرف المركزي محسوب على طرف سياسي واحد، أو يحظى بالحماية من طرف، فيما الطرف المضاد يرفع عنه الغطاء. فرياض سلامة هو الكل في الكل ومع الكل، أو الجميع لهم فيه حصة ونصيب.
لكن هناك سؤال واحد يطرح اليوم: هل رُفع الغطاء المحلي والدولي عن حاكم مصرف لبنان؟ وما هو مبرر الحديث عن احتمال فرض عقوبات أميركية عليه، وقد تتوسع أوروبياً؟ لا جواب واضحاً ما إذا كان الغطاء قد رفع. لكنه قابل لأن يرفع في أي  لحظة.
والأكيد أيضاً أن سلامة ليس من الذين إذا ما رفع الغطاء عنهم يمكنهم التقاعد في منطقة نائية. لا أحد يمكنه أن يكفل نفسه في مغادرة سلامة. وحتى مسألة توفير مخرج آمن له لا يمكن القبول بها. فلا أحد يضمن صمته، ولا أحد قادر على شراء وثائقه لطمسها.
هل يُرفع عنه الغطاء الدولي؟ 
وجاء الخبر في وكالة بلومبرغ، فأثلج صدور كثيرين. وخصوصاً بعد تحريك دعوى قضائية ضده في سويسرا. ومن سأل الرجل عن تحرك القضاء السويسري، تلقى الجواب بكل برود واطمئنان: القضية انتهت. لم يجد المدعي العام والمحقق السويسري أي شيء ينطوي على مخالفة.
بالطبع "الفساد مقونن" في لبنان. وفي المعنى القانوني لا مكان للفساد في لبنان. وهو يعتبر أن الدعوى حُركت بعد استقصاءات صحافية لبنانية، تعاونت فيما بعد مع صحافيين استقصائيين سويسريين، فدخلت جهات غير حكومية على الخط وحركت الدعوى القضائية. والنظر في الملف لم يظهر أي مخالفة، يقول سلامة. لكن خوفه باعثه أن المدعي العام السويسري لم يغلق الملف. أو لماذا لم يعلن انتهاء القضية؟ هنا الباب يُفتح على تساؤلات كثيرة أولها يتعلق بمسألة رفع الغطاء الدولي عنه.
لو رُفع هذا الغطاء، يظل الغطاء المحلي متوفراً وبقوة. لذلك جاء القول إن العقوبات قد تنقذه، لأسباب محلية لبنانية معروفة. والسبب الثاني والأهم هو وقف المسار المتدهور الذي يسلكه لبنان بكل سياساته المالية والنقدية، والوصول إلى المس بالاحتياطي الإلزامي، وربما التفكير باستنفاد الذهب.
الدعم حتى آخر "سنت" 
لم يعد القطاع المصرفي اللبناني بمجموع أمواله وممتلكاته يؤثر على أي بورصة في أي بقعة من العالم. لذلك ليس هناك أي اهتمام أو عمل لمنع استمرار الانهيار. قوى محلية وخارجية تعرف أن رياض سلامة انتهى عملياً. هو فقط يقوم بما تبقى من مهمات وظيفية، تنتهي عندما يسقط كل شيء.
مسألة التهديد بفرض عقوبات عليه، ترتبط بحسابات أخرى. قد تكون لوقف مسار معين. فدول كثيرة تبحث مع الحكومة اللبنانية في كيفية تقديم المساعدات المالية للجمعيات أو للاجئين عن طريق خارج المصرف المركزي. لا أحد يريد للمصرف المركزي أن يستمر بالقيام بأي عمل قد يستفيد منه. ولا تريد أي جهة ضخ أموال بمصرف لبنان.
هدف آخر يرتبط ربما بوقف مسار الدعم الذي لا يزال سلامة ماضياً فيه. وهذا بناء على قرار سياسي وحكومي واضح، يرفض وقف الدعم، أو حتى ترشيده، ويستمر في توفيره ولو أدى ذلك إلى صرف آخر "سنت".
ورداً على تسريب خبر العقوبات عليه، نفى سلامة ذلك في أوساطه، وقال إنه تلقى اتصالاً أميركياً يطمئنه وينفي صحة الخبر.
منظومة سلامة الواسعة 
الغطاء الدولي رُفع عن سلامة. وأكثر من يتحمس إلى تغييره هم الفرنسيون، ومنذ مدة طويلة. واشنطن لا تمانع ولا تتحمس. الأهم بالنسبة إليها ألا يحل مكانه نائبه الشيعي، وأن يتم التوافق على حاكم بديل يلتزم بالتوجيهات.
لكن لبنانياً لا أحد جاهز للتضحية بسلامة. فالتضحية به مكلفة جداً للجميع، ويخرج اللعبة من سياقها الواضح المرسوم. وهي تقتضي شن هجوم عليه بين حين وآخر، وتحميله مسؤولية ما يجري من دون الإطاحة به. وحده رئيس الجمهورية يمضي في معركته ضد سلامة إلى أقصى الحدود، لأهداف لا علاقة لها بكل ما ذكر. بل للدخول إلى تلك المغارة المالية والإمساك بها والسيطرة عليها. فحدود رياض سلامة ليست هندسات مالية لبعض المصارف التي استفادت منها القوى السياسية والطائفية اللبنانية. ولا يمكن اختزال رياض سلامة بمسألة تمويل الدعم وتوفير مستلزمات التهريب إلى خارج الحدود. منظومة سلامة أوسع بكثير: من حدود إفريقيا إلى أوروبا. وهو العالم بخبايا التدفق المالي. والخبير في كيفية الالتفاف على كل القوانين والشروط. وهذه أوراق قوته وتوفير الحماية له.
المصدر: المدن.
الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".