نهاية قاض شجاع
تشرين الأول 05, 2021

عيسى الشعيبي

عنوان المقالة مستوحى من عنوان رواية للكاتب السوري الراحل، حنا مينه، وهو من أهم الروائيين العرب، صدرت في ثمانينيات القرن الماضي، "نهاية رجل شجاع"، عن حياة فتى ريفي عاثر الحظ، نشـأ فقيراً وكبر شقياً في دروب الحياة القاسية، نُبذ طويلاً، دخل السجن مراراً، وقضى جل شبابه الضائع في ميناء اللاذقية، إلى أن أنهى حياته التعيسة بالانتحار، بعد أن تكالبت عليه المحن، وفقد الثقة بالغير من حوله، ويئس من العيش بلا معنى لوجوده، وبلا قيمة له.

أتى استدعاء هذا العنوان من تلافيف الذاكرة، بمناسبةٍ لا علاقة لها بخط مسار حياة بطل رواية حنا مينه التراجيدية، ناهيك عن الأمل في ألا تكون لبطل الحكاية الجديدة، القاضي اللبناني طارق البيطار، نهاية مأساوية مماثلة لبطل الرواية، مفيد الوحش، على الرغم من بعض التشابه بين الرجلين في مأثرة الشجاعة، وخاصية الخروج على المألوف، وتشاركهما معاً في خصلة الإقدام على كسر النمط السائد في زمان كل منهما، سيما ونحن نقف أمام أول خطوة أو خطوتين قطعهما القاضي الشاب، على مسارٍ قد يكون قصيراً، إن لم نقل مماثلاً لكل من يشقّ عصا الطاعة، أو يتمرّد على السير مع القطيع.

الدافع لهذه المطالعة ما صدر عن قاضي التحقيق في ملابسات انفجار مرفأ بيروت، من قرارات استدعاء ومذكّرات اتهام ظنية بحقّ رهطٍ من كبار المسؤولين اللبنانيين، السياسيين والأمنيين، في بلد لا يُسأل فيه أحدٌ عما اقترفت يداه، وتُسجّل فيه الجرائم ضد مجهول، الأمر الذي بدت معه قرارات المحقّق العدلي هذا كأنها ضربٌ من الجنون، صادرة عن قاضٍ قادم من اسكندنافيا، لا يعرف حقيقة أن الطبقة الحاكمة في بلاده كانت دائماً فوق القانون، وأنها فئةٌ لا تحاسب، حتى أن معظم القضايا ليس لها ملفات في المحاكم المعنية، وتظل هكذا مهملة، إلى أن تسقط من دائرة الاهتمام مع مرور الوقت.

كان موقف المحقق العدلي هذا مدهشاً بالمعايير اللبنانية السائدة، وكانت جرأته الشديدة صادمةً للمنظومة الحاكمة، إلا أنه كان، في المقابل، حظي بتأييد واسع من عامة الناس في البلد المنكوب، سيما من ذوي ضحايا المرفأ الباحثين عن الحقيقة والعدالة والتعويض، كما كان هذا الموقف الشجاع لافتاً لانتباه كل من يعرف فساد جهاز القضاء، ويعي مدى خضوعه لهيمنة أمراء الأحزاب السياسية، وعمق استسلامه لعدمية منطق التوازنات الطائفية، ناهيك عن ترهيب غلبة السلاح "المقاوم" للإدارة الحكومية.

لم يمض سوى قليلٍ من الوقت، حتى استطاع زعماء المنظومة ذاتها، وعبر حيل قانونية، مثل جواز الارتياب بنيات القاضي طارق البيطار، من كفّ يده، وتعطيل مسار التحقيق. تماماً على نحو ما جرى مع المحقق السابق، فادي صوان، الذي تم ترهيبه، ودفعه إلى الاعتذار عن المضي في مهمته المستحيلة، الأمر الذي أعطى إشارة مبكرة على انغلاق الطريق أمام تحقيق محلي، قد يفضي إلى معرفة هوية ليس من تسبّب بالانفجار، وإنما عنوان من استورد المواد المتفجرة وخزّنها في حرم الميناء المخطوف، خصوصا أن هناك شبهة بوجود جهةٍ ذات نفوذٍ لا حد له، تقف وراء استيراد نترات الأمونيوم وتخزينها وتصديرها إلى سورية تحت سمع الدولة المستضعفة وبصرها.

ولما لم تتمكّن حملة التشكيك ضد البيطار من ردعه، ذهب أحد كبار مسؤولي الحزب الممانع إلى قصر العدل بنفسه، ومن هناك بعث رسالة تهديدية إلى المحقق الذي لا سند له إلا نص القانون، للتوقف عن استدعاء المتهمين، أو قل المتعاونين، خشية من إفصاح أحدهم عن الحقيقة التي يودّ الحزب المسلح عدم انكشافها أمام الرأي العام، وتحميله من ثمّة وزر تدمير المرفأ، وسقوط نحو مائتي ضحية، فضلاً عن آلاف الجرحى، وإلحاق أضرار فادحة في بنية بيروت العمرانية.

بحسب أكثرية المعلقين اللبنانيين، انتهت الحياة القضائية للمحقق الشجاع، كما انتهى التحقيق أيضاً في واقعة انفجار المرفأ قبل أن يبدأ، منذ اللحظة التي استجابت فيها محكمة ابتدائية لطلب حزب الله إغلاق ملف هذه القضية، وقد مرّ عليها 14 شهراً، من دون توقيف أي مسؤول من الوزن الثقيل ذي صلة بالمرفأ، أو حتى الاستماع إليه. وبالتالي، لن يكون مصير هذه القضية التائهة على أعتاب المحققين مختلفاً عن مصير سائر القضايا السابقة، بما في ذلك جرائم الاغتيال السياسي المروّعة، المتلاحقة طوال العقود الطويلة الماضية.

المصدر: العربي الجديد.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".