وعادت الأمور إلى المربّع الأوّل
حزيران 03, 2021

وائل نجم
تفاءل اللبنانيون خلال الساعات والأيام الأخيرة بإمكانية إحداث انفراجة في ملف تشكيل الحكومة من خلال المبادرة التي أطلقها رئيس المجلس النيابي، نبيه برّي، والتي حظيت بمباركة البطريرك الماروني، بشارة الراعي، لإيجاد مخرج وحلّ لمسألة تشكيل الحكومة في ضوء التشنّج في العلاقة بين رئيس الجمهورية، ميشال عون، من جهة، ورئيس الحكومة المكلّف، سعد الحريري، من جهة أخرى؛ وقد أخذ برّي على عاتقه إقناع الحريري وتدوير الزوايا معه لتعديل أو تليين موقفه في مسألة تشكيل الحكومة، خاصة لناحية عدد الوزراء وتوزيع الحقائب،وبالفعل تجاوب الرئيس المكلّف مع مبادرة برّي، لكنّه أكّد على رفضه مسألة منح الثلث المعطّل في الحكومة لأي طرف، سواء كان ذلك بطريقة مباشرة، أو بطريقة غير مباشرة، وقد أعلن الرئيس برّي في معرض ردّه على سؤال لجريدة النهار أنّ الحريري موافق على مبادرته، غير أنّه (أي برّي) ينتظر جواب جبران باسيل.
إذاً هو جبران باسيل الذي يعطّل ويعرقل تشكيل الحكومة على الرغم من أنّ المؤتمر الصحفي الذي عقده يوم الثلاثاء بعد انتهاء اجتماع تكتل لبنان القوي أشار فيه إلى أنّه سيسهل تشكيل الحكومة ولن يتمسّك بأيّ مطلب؛ لكنّه أشار في المقابل إلى أنّ انقضاء مهلة الأسبوع التي حدّدها الرئيس برّي من دون تشكيل الحكومة، سيحتّم الدعوة إلى حوار وطني في قصر بعبدا من أجل الوصول إلى حلّ لهذه المشكلة (مشكلة تشكيل الحكومة).
وطالما أنّ الوزير باسيل يريد أن يسهّل تشكيل الحكومة وفقاً لما قاله، ولن يتمسّك بأيّ مطلب وفقاً لما وعد به الوسطاء الذين التقوه (المعاون السياسي لأمين عام حزب الله حسين الخليل، ومسؤول لجنة الارتباط والأمن في الحزب وفيق صفا)، فلماذا يدع الرجلُ الرئيسَ برّي ينتظر الجواب. ليقل ما عنده للرئيس برّي مباشرة، فهو صاحب المبادرة، وهو الذي قال إنّ الحريري موافق على مبادرته بشكل كامل، بل أكثر من ذلك فقد كشف أنّ الحريري فوّضه تسمية الوزيرين المسيحيين، محل الخلاف، في الحكومة، وذلك في معرض تسهيل تشكيل الحكومة.
من الواضح جدّاً أنّ الوزير باسيل له حساباته الخاصة، وللأمانة فإنّ للجميع دون استثناء حساباتهم الخاصة، لكنّ حسابات الوزير باسيل ربما أكثر قليلاً فهي تأخذ بالاعتبار مسألة العقوبات الأمريكية التي فرضت عليه من ناحية، ومسألة طموحه إلى الرئاسة الأولى من ناحية ثانية، وبالتالي فإنّه يريد أن يضمن من ناحية فك العقوبات أو الهروب منها بأيّة طريقة، ومن ناحية يريد أن يضمن الوصول إلى الكرسي الأولى، أو بالحدّ الأدنى في المرحلة الحالية ضمان التأثير الكبير فيها وعلى من يمكن أن يصل إليها مستقبلاً. هذا طبعاً فضلاً عن اهتمامه بالانتخابات النيابية التي من المفترض أن تجري العام المقبل.
نحن إذاً أمام مبادرة طرحها الرئيس نبيه برّي وأراد منها الدفع بالأمور إلى الأمام من أجل تشهيل تشكيل الحكومة لتكون مدخلاً لحلّ باقي الأزمات، في حين أنّ الوزير باسيل ظهر كمن يريد أن يعيد عقارب الزمن إلى الوراء، والأمور إلى المربّع الأول متمسّكاً بحسابات خاصة ولو على حساب معاناة اللبنانيين، حتى وإن حاول الظهور أكثير من مرّة بمظهر البريء الذي يقدّم التسهيلات بل التضحيات من أجل الوطن.
وضع لبنان لم يعد يحتمل الترف والمغامرة والحسابات الخاصة والضيّقة والشخصية، فالبلد على شفير الانهيار والزوال والبعض ما يزال يبحث عن منصب أو كرسي أو موقع أو مرقد عنزة فيه وهو يدري أو لا يدري أنّه قد يصبح في خبر كان.