إلى أين يسير قيس سعيّد بتونس؟
أيلول 24, 2021

رفيق عبد السلام

حصل ما كان متوقعاً، إلغاء الرئيس، قيس سعيّد، دستور الثورة التونسية بضروب من التحايل القانوني والسياسي، تحت عنوان أحكام انتقالية، لم تترك، من الناحية الواقعية، أي أثر لدستور 2014. فبعد ما يربو على الشهرين مما سمّيت الإجراءات الاستثنائية التي أقدم عليها الرئيس التونسي، يوم 25 جويلية (يوليو/ تموز) الماضي، بزعم إعمال الفصل الثمانين من الدستور، بدأت تتضح أكثر فأكثر وجهته ونياته في إدارة المرحلة المقبلة.

باتت تونس في حقبة قيس سعيّد "غير السعيدة"، بلا حكومة ولا برلمان ولا محكمة دستورية، وأخيراً وليس آخراً، بلا دستور. تونس التي تشكّلت فيها فكرة المجالس والقانون الضابط منذ القرطاجنيين قبل ما يزيد على خمسة قرون قبل الميلاد، وكان لها السبق في إصدار أول دستور في العالم الإسلامي سنة 1861، باتت اليوم شؤونها تُدار بإرادةٍ فرديةٍ مطلقةٍ، وأضحى البلد يسير بالمراسيم والتعليمات الشفوية الصادرة عن القصر. وبموازاة ذلك، فُتح باب المحاكمات العسكرية، ومُنع السفر عن آلاف المواطنين من برلمانيين وسياسيين ورجال أعمال وقضاة ومديرين عامين وغيرهم، وفُرضت الإقامة الجبرية على عشرات الأفراد من دون أي أساس قانوني، كذلك أُغلق مقر الهيئة الوطنية لمقاومة الفساد، ووُضع رئيسها تحت الإقامة الجبرية. ولا يُستبعَد مع نشر هذه السطور أن يُقدم قيس سعيّد على مغامرات قمعية أخرى، لفرض الانقلاب بقوة القمع والخوف.

باتت تونس في حقبة قيس سعيّد "غير السعيدة"، بلا حكومة ولا برلمان ولا محكمة دستورية، وأخيراً وليس آخراً، بلا دستور

ربما عنصر الوضوح الوحيد في هذا المشهد الراهن الذي يغلب عليه طابع الغموض والمغامرات غير المحسوبة، تصميم الرئيس سعيّد على الاستحواذ على السلطة عبر فرض سياسة الأمر الواقع، وتحويل ما قيل إنه استثنائي ومؤقت إلى حالة دائمة ومفتوحة، بعد أن أضاف مقولة الخطر "الجاثم" إلى جانب الخطر الداهم الذي تحدّث عنه الدستور.

لم تكن الخطوة التي أقدم عليها سعيّد مفاجئة لي، فقد كانت لهذا الانقلاب المغلّف دستورياً مقدمات ومؤشّرات دالة. وكنتُ قد نبّهت، داخل حركة النهصة وخارجها، من خطورة ما يدبّر في قصر قرطاج، ومن علامات ذلك تلويح سعيّد المستمر باستخدام الفصل الـ 80 من الدستور (وفق قراءته الخاصة لهذا الفصل)، فضلاً عن زياراته المتكرّرة للثكنات العسكرية في الهزيع الأخير من الليل، وحديثه التحريضي أمام القيادات العسكرية والأمنية عن المؤامرات والدسائس والغرف المظلمة، وهو أمرٌ غير معهود في ما استقر من تقاليد سياسية منذ بداية الاستقلال، حيث التزم أغلب حكّام تونس منذ عهد البايات إبعاد الجيش عن التجاذبات السياسية.

كذلك إن رفض سعيد فتح قنوات حوار مع الأحزاب السياسية، وإصراره المتكرر على اختيار رؤساء حكومات بطريقة فوقية، وبعيداً عن الكتل البرلمانية، ثم امتناعه عن قبول أداء قسم الوزراء بعد التعديل الحكومي الذي صوّت عليه البرلمان، ورفضه التصديق على قانون تشكيل المحكمة الدستورية، والتهديد المستمر بحل البرلمان، ذلك كله كان يشير، بصورةٍ لا لَبْس فيها، إلى تبييت النيّة لتقويض النظام السياسي الوليد والاستحواذ عنوةً على السلطة.

انتهج قيس سعيّد تكتيك التأزيم السياسي، من خلال تعميق الاستقطاب في الساحة السياسية، ثم الترذيل المتعمّد لمجلس نواب الشعب، من خلال الدور التخريبي الذي لعبته رئيسة الحزب الدستوري الحر، عبير موسي، داخل المجلس، من دون أن يحرّك الأمن الرئاسي ساكناً، وهو المكلف قانونياً ضمان السير العادي لأعمال المؤسّسة، وقد استفاد من حالة الفراغ السياسي الناتجة من تردّد رئيس الحكومة، هشام المشيشي، وامتناعه عن تفعيل صلاحيته الواسعة التي منحه إياها الدستور في مواجهة رئيسٍ نهم للسلطة ومصرٍّ على التمدّد. يضاف إلى ذلك كله تشبّع الرئيس بخليط أيديولوجي شعبوي، يقوم على تصوّر نظام سياسي محكوم بزعامة فردية محاطة بالأتباع والأنصار، ومن دون أحزاب ومنظمات وأجسام وسيطة، فالرجل مسكونٌ بهاجس إنفاذ مهمة رسولية في عالم يعجّ بالشياطين والمتآمرين والفاسدين، وكل لغته توحي بأنه يعيش في عالمه المغلق الخاص. وما زاد في تعقيد الوضع أكثر، أن الرئيس لا يعترف بالحوار، ولا بالتوافقات والتنازلات المتبادلة التي تمثل جوهر العمل السياسي، فهذه الآليات بالنسبة إليه لا تعدو أن تكون رذائل طبقةٍ سياسيةٍ تعوّدت عقد الصفقات في الغرف المظلمة، على حد تعبيره.

تقاطعت توجهات الرئيس مع ثلاثة خطوط رئيسية. أولاً: فئة الغاضبين من أداء المنظومة السياسية بعد الثورة نتيجة انغماس النخبة السياسية في البناء المؤسساتي والتسويات فيما بينها على حساب معالجة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية الضاغطة، ثم تعقيدات المرحلة الانتقالية وكثرة الهزّات السياسية وتغليب الاعتبارات التكتيكية على التوجهات الاستراتيجية.

ثانياً: مكونات من النخبة السياسية لا ترى مانعاً في تقويض البناء وهدم السقف على رؤوس الجميع، إذا كان ثمن ذلك التخلص من "النهضة" وحلفائها. مع العلم أن بعض مكونات هذه النخبة السياسية معاديةٌ، من أصلها، للثقافة الديمقراطية، وتؤمن بدور الزعيم المخلص المسنود بالجيش، مثل حركة الشعب ذات التوجهات العروبية الانقلابية.

ثالثاً: قوى إقليمية وجدت في طموحات الرئيس ومزاجه الشخصي فرصةً ذهبيةً للانقضاض على التجربة التونسية، وتفكيك عرى ما بقي من الثورات العربية، بعدما عجزت هذه القوى عن تمرير مشروعها مع المرحوم الباجي قايد السبسي الذي لم يجارها في مخطّطاتها، وهذه القوى لا ترى في قيس سعيّد سوى جسر عبور إلى ما بعده، أي تمهيد الطريق لعودة منظومة بن علي ومشتقاتها.

سبق لقيس سعيّد فعلاً أن أفصح عن شذرات من "مشروعه" السياسي خلال حملته الانتخابية، لكن الظن الغالب كان أنه سيلتزم، في نهاية المطاف، توجهات الثورة، وستفرض عليه معطيات الحكم الصلبة تعديل خطابه وسلوكه السياسيين في ضوء الدستور والنظام الديمقراطي الذي سمح له بالمنافسه واكتساب الوجاهة السياسية، وهو لم يكن شيئاً يذكر قبل ذلك، علماً أن انتخاب قيس سعيّد كان بمثابة أبغض الحلال، بحكم ما كان يحوم حول منافسه من شبهات وأقاويل.

تتركّز أولوية سعيد الآن على تعطيل العمل بالدستور تحت عنوان الأحكام الانتقالية، مع تكرار التصريحات المخاتلة بأنه يتحرّك في إطار الدستور، بخلفية الانطلاق العملي في تركيز النظام السياسي الذي يتيح له التحكّم في مفاصل الدولة. وسينتقل، بعد ذلك، إذا أخذ الوقت الذي يحتاجه، إلى سنّ قانون انتخابي يسمح له بضرب المنظومة الحزبية برمتها، من خلال التصعيد التحتي على طريقة اللجان الشعبية. وهذا ما يفسّر إعجاب الرجل بدستور 59 الذي سمح لبورقيبة بأن يضع نفسه فوق الجميع، وسمح له بتركيز رئاسة مدى الحياة.

بعد "الإعلان الدستوري" الجديد المغلّف بعنوان "الأحكام الانتقالية"، من المتوقع أن يعلن الآن تشكيل حكومة على مقاسه، تضمّ وزراء تابعين بالكامل، ولا يزيد دورهم على كتّاب دولة (وزراء دولة)، من دون رقابة تشريعية ولا قضائية، فهو الذي يترأس مجلس الوزراء، ويُصدر التشريعات والقوانين، ويشرف على القضاء، بما لم يفعله بن علي من قبله. بيد أن قيس سعيّد وضع نفسه في معادلة حادّة وقاتلة، رهن بها نفسه ومعه كل البلد، تقوم على ثنائية النصر أو الشهادة، ومقولة لا عودة إلى الوراء (يقصد ما قبل 25 يونيو)، وبما أنه قد وجد نفسَه محاصراً بمطالب القوى السياسية والاجتماعية الداخلية، وكثرة الضغوط الخارجية، فقد بقي، على امتداد المدة الماضية، يقفز في المكان نفسه، ويكرّر الخطاب ذاته. والآن، حينما غادر مربّع الجمود بدأ يسير في طريق التيه والضياع، من دون رؤية ولا أفق ولا تقدير لعواقب الأمور، ولا يستبعد في أجواء هذا الحصار أن ينحو قيس نحو القمع وتوريط الأجهزة في ضرب من يعتبرهم خصوماً تحت ذرائع مقاومة الفساد.

والحقيقة أن مساحة المعارضة باتت تتّسع، يوما بعد آخر، بسبب كثرة أخطاء قيس، وتكشّف وجهه الاستبدادي والعدواني، فإذا استثنينا "حركة الشعب" التي باركت كل الخطوات الانقلابية التي أقدم عليها سعيّد، فإن جلّ القوى السياسية، بما في ذلك التي ساندته في خطوات 25 يوليو، رفضت بشدة الخروج على حدود الدستور. وعلى الرغم من الصورة المضلّلة التي تحاول ترسيخها بعض شركات سبر (استطلاع) الآراء، أن الرئيس محل إجماع، فإن الواقع الميداني يشهد تآكل الحزام الشعبي للرئيس، واتساع المعارضين لمشروعه، والمتخوّفين من طموحاته الخيالية والجارفة.

تحرّكات 18 سبتمبر (الحالي) التي دعت إليها شخصيات سياسية عامة، ولقيت استجابة من الشارع التونسي، ضربت في الصميم سردية "التفويض الشعبي" للرئيس، فردّ عليها بلغته المعهودة، أن الذين لبوا الدعوة إلى التجمع، في تونس وخارجها، هم ما بين مخمورين ومأجورين. الواضح أن الشارع التونسي بصدد التعافي من صدمة الانقلاب، ويتجه إلى صنع ديناميكيته الخاصة، وإفراز جيل جديد من القيادات السياسية الميدانية مناهضة بشراسة لعودة الاستبداد، ومتخفّفة، إلى حد كبير، من ثقل الأيديولوجيا ونظرية الصراع بين الإسلاميين والعلمانيين.

مشكلة قيس الكبرى تعود إلى أنه لا يُحسن قراءة الواقع وتحسّس موازين القوى وطبيعة الأرض التي يقف عليها. هناك مسافة كبيرة بين ما يرغب فيه وما يقدر على إنجازه واقعاً. الرجل يرى نفسه بورقيبة جديداً، من دون أن يتوافر على الحد الأدنى من الخصال القيادية ورصيد الخبرة والتجربة. والأكثر من ذلك، أن رؤيته عالم السياسة ونرجسيته تجعلان منه أسير نفسه قبل غيره.

المصدر: العربي الجديد.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن رأي صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".