الأمن العربي في ضوء النتائج المتوقّعة للحرب على إيران
آذار 19, 2026

 

ورقة تقدير موقف من إعداد د. وائل نجم

توطئة

يوم 28 شباط/فبراير 2026 فاجأت "إسرائيل" العالم بشنّها سلسلة غارات جويّة وبالصواريخ على إيران استهدفت مقر قيادة المرشد العام الإيراني، علي خامنئي، ما أدّى إلى مقتله مع عدد من قيادات الجيش والحرس الثوري خلال اجتماع كان يعقده معهم في مقرّه في العاصمة طهران، كما استهدفت الغارات منشآت عسكرية وحيوية في مدن إيرانية أخرى، وسرعان ما تكشّف أنّ الضربة شاركت فيها أيضاً الولايات المتحدة الأمريكية، ولم يُعرف على وجه الدقّة حجم المشاركة الأمريكية ولا الأهداف التي ركّزت عليها مع أنّ الولايات المتحدة أشارت في بيان في اليوم ذاته إلى أنّها ركّزت ضرباتها على منشآت وبنى عسكرية ولم تستهدف منشأت حيوية أو مدنية.

ثمّ سرعان ما تكشّفت الأهداف الإسرائيلية والأمريكية التي حصلت بتنسيق كامل بين الطرفين من خلف الضربات وهي إسقاط النظام الإيراني[1]مع العلم أنّ عنوانها الرئيسي قبل ذلك كان يركّز على منع إيران من امتلاك أسلحة دمار شامل، وكذلك صواريخ بعيدة المدى يمكن أن تهدّد "إسرائيل" ومصالح الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة.

الردّ الإيراني لم يتأخّر كثيراً حيث وجّهت قوات الحرس الثوري الإيراني والجيش الإيراني صواريخها وطائراتها المسيّرة نحو المواقع والقواعد العسكرية الإسرائيلية في فلسطين المحتلة، وكذلك نحو القواعد الأمريكية المنتشرة في دول الجوار، وخاصة في دول الخليج العربية، وقد كانت إيران قد هدّدت باستهداف القواعد الأمريكية في المنطقة في حال تعرّضها لهجوم أمريكي، خاصة إذا استُخدمت القواعد الأمريكية في المنطقة بالهجوم عليها.

وتحت عنوان الردّ على الهجوم الأمريكي أخذت إيران تطوّر أسلوب ردّها، فراحت تستهدف بصواريخها ومسيّراتها المصالح الأمريكية كذلك، فاستهدفت منشآت نفطية وحيوية في كلّ دول الخيلج العربية بما في ذلك الدول التي ترتبط معها بعلاقات صداقة كـ "قطر"، أو التي كانت تتولّى الوساطة بينها وبين الولايات المتحدة الأمريكية كـ "سلطنة عُمان"، أو تلك التي طبّعت علاقتها معها كـ "المملكة العربية السعودية"، غير آبهة بما يمكن أن ينتج عن هذا الردّ الذي عرّض دول الخليج العربية لخطر، وكشف أمنها ووضعها في موقف محرج، وقد ندّدت هذه الدول بالضربات الإيرانية أكثر من مرّة، وأدانتها واشتكت إلى مجلس الأمن، وكان الجواب الإيراني دوما أنّها حريصة على أفضل علاقات حسن الجوار مع الدول الخليجية، وهي لا تستهدف هذه الدول ولا حكوماتها ولكنّها تستهدف المصالح والقواعد الأمريكية فيها لأنّها تُستخدم، بحسب الاعتقاد الإيراني، في الحرب على إيران[2].

هذا الواقع الجديد الني نشأ خلال الحرب كشف أنّ الأمن العربي لدول الخليج العربية، ولدول عربية أخرى كالأردن ولبنان في خطر أيضاً، حيث انخرط حزب الله في الحرب إلى جانب إيران على الرغم من رفض الحكومة اللبنانية لذلك، وإصدارها قراراً بحظر العمل العسكري لحزب الله[3]، غير أنّه لم يكترث لهذا القرار وضرب به عرض الحائط واستمر في إطلاق الصواريخ باتجاه الأراضي الفلسطينية المحتلة، وهو ما أعطى حجّة وذريعة لـ "إسرائيل" لشنّ عدوان همجي واسع على لبنان.

كما وأنّ ما جرى خلال الحرب دفع إلى التفكير عن مصير الأمن العربي لدول الخليج العربية أو لغيرها من الدول بما فيها مصر والعراق وسوريا ودول عربية أبعد نسبياً عن منطقة الصراع، فضلاً عن دول إسلامية أخرى تقع في جوار هذه المنطقة كـ "تركيا"، بغض النظر عن النتائج التي يمكن أن تتمخّض عنها هذه الحرب! ومن هنا كان لا بدّ من استشراف المرحلة المقبلة لوضع التصوّرات الممكنة لها من أجل الأمن العربي والإقليمي المطلوب في المرحلة المقبلة.

الأمن العربي قبل الحرب

لا يمكن النظر إلى الأمن العربي وكأنّه يواجه تحدّياً واحداً. فالوطن العربي الذي يمتدّ من الشواطئ الغربية للخليج العربي وحدود إيران في الشرق إلى الشواطئ الشرقية للمحيط الأطلسي في الغرب واجه أكثر من تحّدٍ أمني خلال العقود الماضية بالنظر لاختلاف القوى والأنظمة السياسية التي توالت على حكم المناطق المحيطة والمجاورة، ويمكن الحديث عن أبرز التحدّيات التي واجهت الأمن العربي خلال الفترة الماضية على الشكل التالي:

1. التحدّي الإسرائيلي في فلسطين المحتلة

وهذا التحدّي برز مع قدوم موجات الهجرة اليهودية إلى فلسطين المحلتة اعتباراً من ثلاثينات القرن العشرين، وبرز بشكل أكبر مع الإعلان عن قيام دولة "إسرائيل" في العام 1948، وتجلّى بشكل أوضح وأكثر تحدّياً مع عدوان "إسرائيل" على كلّ من مصر وسوريا في العام 1967. وقد شعرت أغلب الدول العربية بهذا التحدّي حتى أنّها اعتبرت أنّ قضية فلسطين هي قضية كلّ العرب، ولكن أكثر من شعر بهذا التحدّي من الدول العربية دول الطوق : مصر، سوريا، الأردن، لبنان، وفلسطين بالطبع. لقد شكّل الاحتلال الإسرائيلي، وما يزال، تهديداً كبيراً وواضحاً للأمن القومي العربي خاصة في هذه الدول، وبدرحة أقل لبقية الدول العربية.

2. التحدّي الإيراني في الخليج

طيلة الفترة التي كان نظام آل بهلوي حاكماً في إيران، وكان على علاقة وثيقة بكل من الولايات المتحدة الأمريكية و"إسرائيل"، كان هذا النظام يمثّل تحدّياً وتهديداً للدول العربية، خاصة العراق وبقية الدول العربية التي تمتدّ على ساحل الخليج. شكّل نظام آل بهلوي في إيران تهديداً للأمن القومي العربي بالنظر إلى ما تمتّع به من قوّة وعلاقات مع الولايات المتحدة حيث كانت تنظر إليه على أنّه شرطي الخليج، وكانت له تطلّعات دائمة للهيمنة على دول الجوار العربي وإخضاعها لسياساته، وقد دخل في أكثر من مواجهة دبلوماسية مع العراق، وبدرجة أقل مع الكويت والبحرين والإمارات العربية المتحدة حيث الخلاف الذي ما زال مستمراً بين إيران والإمارات على جزر "طمب الكبرى" و"طمب الصغرى" و"أبو موسى" في الخليج[4].

وبعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران بقيادة الخميني، لم تستطع الثورة التي رفعت شعار الجمهورية الإسلامية طمــأنة دول الجوار العربي، بل على العكس من ذلك فقد أثارت المزيد من المخاوف العربية من خلال رفع شعار تصدير الثورة[5]التي اعتمدت نظاماً إسلامياً تبنّى المذهب الشيعي الإثني عشري الذي يتناقض بشكل كبير مع أكثرية دول المنطقة، وهو ما تمّ النظر إليه على أنّه تهديد لا يقلّ خطراً على الأمن العربي من التهديد الذي شكّله نظام آل بهلوي.

3. التحدّي الاستعماري

هذا التحدّي ظلّ مهيمناً على العقل العربي خاصة في دول المغرب العربي بالنظر إلى فترة الاحتلال الطويلة التي عانت منها تلك الدول، خاصة في الجزائر والمغرب وتونس وليبيا، وبالنظر إلى قربها من الدول التي اتسمت سياساتها بالنزعة الاستعمارية كـ "فرنسا" و"إيطاليا" و"أسبانيا" وغيرها. وقد نظرت دول المغرب العربي إلى الأطماع الاستعمارية الأوروبية على أنّها تهديد للأمن القومي العربي المغربي.

أشكال الدفاع عن الأمن العربي

تنوّعت أشكال وصور الدفاع عن الأمن العربي خلال الفترة الماضية بالنظر إلى تنوّع التحدّي الذي واجهه هذا الأمن.

فالتهديد الإسرائيلي تمّ التعامل معه من خلال دعم مقاومة الشعب الفلسطيني اعتباراً من منتصف ستينيات القرن العشرين عندما دعمت الدول العربية تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية ومولّت ودعمت المقاومة الفلسطينية التي شكّلت حركة "فتح" عامودها الفقري. كما جرت محاولة توحيد الدول العربية من خلال تجرية الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسوريا في العام 1958، غير أنّ هذه التجرية سقطت بانقلاب عسكري قاده عدد من العسكريين والنوّاب والتجار في 28 أيلول/سبتمبر 1961 حيث أعلنوا قيام الجمهورية العربية السورية، وباءت مساعي توحيد دول طوق فلسطين بشكل أساسي بالفشل. كما تعرّض الأمن العربي لضربة قوية من "إسرائيل" خلال حرب حزيران 1967، وكذلك في حرب أكتوبر 1973 على الرغم من إحراز بعض الانتصارات في هذه الحرب خاصة على الجبهة المصرية. وظلّ الأمن القومي العربي مهدّداً بالمشروع الإسرائيلي اعتباراً من ذاك التاريخ، وكان من نتائج ذلك توقيع اتفاقية "كامب ديفيد" بين مصر و"إسرائيل" في 17 أيلول/سبتمبر من العام 1978 حيث شكّل ذلك أول خروج رسمي عن الإجماع العربي، وفتح شهيّة الدول الأخرى على التوجّه نحو التسوية والسلام مع "إسرائيل" خاصة اعتباراً من بدايات تسعينيات القرن العشرين بعد خسارة العراق الحرب أمام الولايات المتحدة الأمريكية خلال حرب تحرير الكويت في العام 1991م؛ ومنذ ذلك التاريخ اعتمدت كثير من الدول العربية خيار التسوية والسلام لحماية الأمن القومي العربي.

غير أنّه ومع مطلع العقد الثالث من القرن الواحد والعشرين بدأت مصر والسودان تلمسان محاولات إسرائيلية لمحاصرة مصر وإضعافها من خلال دعم هيمنة أثيوبيا على مياه نهر النيل، مع ما يعنيه ذلك من خطر على الأمن القومي المصري، ومحاولات جديّة لتقسيم السودان من جديد، وإقامة قواعد عسكرية عند مدخل البحر الأحمر سواء بالتنسيق مع بعض القوى المحلية اليمنية، أو من خلال تفاهمات وتعاون مع ما يُسمّى بـ "جمهورية أرض الصومال"، في الصومال، وهو أيضاً ما نظرت إليه مصر أيضاً على أنّه تهديد للأمن القومي المصري.

أمّا فيما خصّ "التهديد" الإيراني، وقد كان يشكّل أولوية بالنسبة للعراق وبقية دول الخليج العربية، فقد اختار العراق المواجهة مع إيران أكثر من مرّة، سواء في مرحلة حكم آل بهلوي حيث تمّ لاحقاً توقيع اتفاق بين إيران والعراق في الجزائر في العام 1975م، ومن ثمّ الحرب المفتوحة بين العراق وإيران بعد انتصار الثورة من أيلول/سبتمبر من العام 1980 حتى آب/أغسطس من العام 1988، وقد دعمت بقية دول الخليج العراق في هذه المواجهة حتى أُطلق على نظام صدّام حسين في العراق "حارس البوابة الشرقية". غير أنّ هذه الدول كانت أيضاً قد اختارات منذ فترة مبكرة عقْد اتفاقات دفاعية مع الولايات المتحدة الأمريكية، خاصة بعد اكتشاف النفظ في منطقة الخليج، بهدف حماية دول الخليج من أيّ تهديد خارجي، كان يُقصد به بشكل أساسي التهديد الإيراني، سواء في زمن آل بهلوي أو في زمن الثورة الخمينية، وقد استمرّ اعتماد هذا التوجّه في حماية الأمن القومي العربي الخليجي، وتعزّز هذا التوجّه بعد غزو العراق للكويت في آب/أغسطس من العام 1990ومن ثمّ حرب الخليج الأولى في العام 1991م التي اعتمدت فيها دول الخليج على الولايات المتحدة الأمريكية بشكل أساسي لطرد العراق من الكويت وكان من مفاعيل تلك الحرب توقيع المزيد من اتفاقيات الدفاع وانتشار المزيد من القواعد العسكرية الأمريكية في دول الخليج، ومنذ تلك اللحظة بات الأمن العربي الخليجي يعتمد بشكل أساسي على الحماية الأمريكية.

الأمن القومي العربي بعد معركة طوفان الأقصى

كشفت معركة طوفان الأقصى التي أطلقتها المقاومة الفلسطينية في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 بهدف فك الحصار عن قطاع غزّة المحاصر من قبل القوات الإسرائيلية، وإطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية عن النوايا الإسرائيلية الحقيقية تجاه القضية الفلسطينية خصوصاً، وتجاه المنطقة بشكل عام.

فقد أكّد قادة "إسرائيل" في أكثر من مناسبة أنّ هدف الحرب على غزّة هو تهجير الفلسطينيين من القطاع، وأنهاء حكم "حماس" فيها، ونزع السلاح الفلسطيني[6]، وبالتالي القضاء على أيّ حلم بإقامة دولة فلسطينية مستقلّة ولو على جزء من الأراضي الفلسطينية وفقاً ما اقترحته القمّة العربية في بيروت في العام 2002م. بالنسبة لمصر فإنّ تهجير الفلسطينيين إلى سيناء المصرية لمحاذية لقطاع غزة يُعدّ تهديداً مباشراً للأمن القومي المصري، أُضيف إلى التهديدات الأخرى بنظر القيادة المصرية.

كما كشف رئيس وزراء "إسرائيل"، بنيامين نتنياهو، بعد توجيه ضربات مؤلمة للمقاومة في لبنان أنّه يعتزم تغيير النظام في لبنان، ومن ثمّ تغيير النظام في الشرق الأوسط[7]، ولاحقاً كشف المزيد من النوايا تجاه هذه النقطة إذ أعلن أنّ هدف الحرب على قطاع غزّة ولبنان وبقية المنطقة هو إقامة "إسرائيل الكبرى" التي قال إنّها تأتي تحقيقاً لرؤية نورانية توراتية[8]وتمتدّ ما بين نهري النيل في مصر والفرات في العراق وتشتمل على أجزاء من السعودية، السودان، مصر، تركيا، العراق فضلاً عن كل فلسطين ولبنان والكويت والأردن وسوريا، وهو ما أكّد للدول العربية أنّ مشروع نتنياهو بات يشكّل تهديداً حقيقياً لكلّ الأمن العربي في دول الطوق وفي دول الخليج وجوارها بشكل أساسي وبقية الدول العربية المغربية، فضلاً عن تهديد الأمن القومي التركي والإيراني أيضاً.

كما ترجمت "إسرائيل" نواياها وتهديداتها للدول العربية والأمن العربي من خلال الاعتداء المباشر على دولة قطر عندما شنّ الطيران الحربي الإسرائيلي غارة جوّية على العاصمة الدوحة في 9 أيلول/سبتمبر من العام 2025بهدف القضاء على قيادة "حركة حماس" الفلسطينية على الرغم من رعاية الدوحة لوساطة على مدى أكثر من عام ونصف بهدف وضع حدّ للحرب، وإطلاق سراح الأسرى الإسرائيليين لدى المقاومة الفلسطينية والمعتقلين الفلسطينيين في سجون "إسرائيل". كما صرّح بعض القادة الإسرائيليين، بموازاة ذلك، بأنّهم سيوجّهون ضربات مماثلة لقادة فصائل المقاومة الفلسطينية حيثما وجدوا في تهديد مباشر لمصر التي كانت تشترك مع الدوحة في وساطة لوقف الحرب وإطلاق سراح الأسرى، وكانت تحتضن بعض أولئك القادة، وقد رأت مصر في تلك التصريحات تهديداً واضحاً لها ردّت عليه بحزم وأكّدت على أنّها لن تتوانى عن الرد العسكري على أيّ اعتداء يطال القاهرة تحت أي عنوان.

كما تجدر الإشارة إلى أنّ الطيران الحربي الإسرائيلي شنّ غارات جوّية على اليمن تحت عنوان الردّ على إطلاق جماعة "أنصار الله" الحوثية صواريخ بعيدة المدى نحو الأراضي الفلسطينية المحتلة تحت عنوان دعم الشعب الفلسطيني، وقد رأت الدول العربية في تلك الغارات تهديداً للأمن العربي فضلاً عن أنّها رأت أيضاً أنّ إطلاق الصواريخ "الحوثية" البعيدة المدى يهدّد الأمن العربي بالنظر إلى ارتباط "جماعة الحوثي" بإيران ارتباطاً عضوياً.

على المقلب الآخر، وعلى الرغم من وقوف إيران موقفاً داعماً للشعب الفلسطيني في معركة طوفان الأقصى، غير أنّ تشكيلها ودعمها فصائل تدخّلت في الشأن العربي الداخلي، كما في تدخّل حزب الله اللبناني في سوريا والعراق واليمن، وتدخّل الحشد الشعبي العراقي في سوريا أيضاً، وقيام جماعة أنصار الله الحوثية بدعم من إيران بقصف الأراضي السعودية والإماراتية في أكثر من مرّة بواسطة الصواريخ البعيدة المدى والمسيّرات، وتهديدات إيران المتكرّرة باستهداف القواعد الأمريكية والمصالح الأمريكية في الدول العربية، وبعض المصالح مشتركة بين الولايات المتحدة الأمريكية ودول عربية كما في شركة "أرامكو"، وقيام إيران بقصف تلك القواعد والمصالح بشكل مباشر خلال الحرب الأخيرة التي شنّتها الولايات المتحدة الأمريكية و"إسرائيل" عليها في آذار/مارس 2026 دون أيّ اعتبار للجوار والعلاقات والمصالح المشتركة، جعل الدول العربية، لا سيّما الخليجية، تنظر إلى إيران على أنّها تهديد أمني خطير على الأمن القومي العربي.

لقد اكتشفت الدول العربية خلال العامين الأخيرين أنّ اعتمادها الكلّي أو الجزئي على الولايات المتحدة الأمريكية من أجل حماية الأمن العربي لم يوفّر الحماية المطلوبة للعواصم العربية، بل أحياناً كان شريكاً في صناعة التهديد وإيجاد الحلّ له بهدف ابتزاز الدول العربية.

لقد تعرّضت الدوحة وكلّ الخليج لعدوان إسرائيلي فاضح في أيلول/سبتمبر من العام 2025، ولم تقم القواعد الأمريكية وأنظمة الدفاع الجوّي بأيّ عمل لحماية الدوحة من هذا الاعتداء، جل ما قامت به الإدارة الأمريكية أنّها طلبت من رئيس وزراء "إسرائيل" بنيامين نتنياهو تقديم اعتذار لأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني.

كما تعرّضت كل الدول الخليجية إلى ضربات بالصواريخ والمسيّرات الإيرانية خلال الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في آذار/مارس من العام 2026، ولم تقم القواعد العسكرية وأنظمة الدفاع الأمريكية بأي دور في حماية عواصم هذه الدول وحواضرها، بل على العكس من ذلك تماماً فقد قامت انظمة الدفاع العربية بحماية القواعد الأمريكية من الصواريخ والمسيّرات الإيرانية، مع العلم أنّ سبب تعرّض الدول العربية للقصف الإيراني هو تلك القواعد بحسب ما أعلنت وأكّدت عليه إيران.

كما اكتشفت مصر أنّ الولايات المتحدة الأمريكية ضالعة وشريكة في بعض الخطط الإسرائيلية وغير الإسرائيلية التي تهدّد الأمن المصري على الرغم من العلاقات الوثيقة بين مصر والولايات المتحدة، وهو ما جعل الأمن العربي في خطر أيضاً.

وأمام هذا المشهد الذي بات الأمن العربي فيه يعيش تحديّات وتهديدات عديدة، وفي ضوء نتائج الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، بات السؤال ملحّاً، هل بات من الضرورة إعادة النظر والتفكير في استراتيجية جديدة تحفظ الأمن العربي؟ أم أنّ الاستمرار في السياسات القائمة حالياً كفيلة بحماية الدول العربية وشعوبها في مرحلة يجري الحديث فيها عن إعادة رسم الخرائط السياسية والجغرافية؟

خيارات الأمن العربي

بغض النظر عن النتائج التي ستتمخّض عنها الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، فإنّ الأمن العربي بات بحاجة إلى إعادة نظر واعتماد استراتيجية جديدة، ويمكن تلخيص أبرز الخيارات أمام الأمن العربي بالتالي:

· خيار الاستمرار بالاعتماد على "الحليف" الأمريكي والقواعد الأمريكية في المنطقة، وعلى خيار التسوية والسلام مع "إسرائيل"، ولكن هذا الخيار أثبت قصوره وفشله في حماية الأمن القومي العربي وفي تأمين المصالح الأمريكية بالنظر إلى اصطفاف الولايات المتحدة الأمريكية إلى جانب "إسرائيل" في كلّ التحدّيات التي واجهت العرب معتبرة حماية وضمان أمن "إسرائيل" يتقدّم على كلّ شيء آخر. وبالنظر إلى أنّ القواعد الأمريكية في الخليج لم تنجح في حماية دول الخليج من الغارات الإسرائيلية أو الصواريخ والمسيّرات الإيرانية.

· خيار الانتقال من الحماية والتحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية إلى حماية وتحالف مع دول كبرى أخرى كـ "الصين" أو "روسيا" على سبيل المثال، ولكنّ هذا الخيار غير مجدي على اعتبار أنّ هذه الدول غير قادرة على تأمين الحماية للأمن العربي.

· خيار الاعتماد الجزئي على الولايات المتحدة الأمريكية وعلى الصين أو روسيا في عملية توازن علاقات بين العرب وبين هذه الدول، ولكنّ هذا الخيار لا يضمن الأمن العربي لأنّ التنافس والخصومة قائمة بين هذه الدول، وبالتالي عملية التوازن والموازنة بينها لا يضمن الأمن العربي.

· خيار أن تعتمد كلّ دولة عربية على نفسها في إقامة تحالفات ثنائية مع أي دولة أخرى من أجل تأمين الحماية لنفسها، وهذا الخيار ليس مجدياً أيضاً، لأنّ الدول المذكورة التي يمكن إقامة تحالف معها بشكل ثنائي لا يمكن أن يشكّل ضمانة للأمن القومي لأي دولة على حدة.

· خيار دخول الدول العربية في تحالف أو تطبيع مع الدول التي شكّلت تهديداً للأمن العربي في المنطقة، وهو خيار لا يضمن أيضاً الأمن العربي، لأنّ هذه الدول لها تطلّعاتها للسيطرة على المنطقة.

· خيار أن تشكّل الدول العربية تحالفاً حقيقياً فيما بينها بالاشتراك مع بعض الدول الإسلامية المجاورة والتي تعيش الظروف والتهديدات والتحديّات ذاتها، كما في حالة تركيا وباكستان أو ربما غيرهما، وهو خيار ممكن وقد يكون أفضل الخيارات الممكنة أو المتاحة حالياً، مع إمكانية نسج علاقات جيّدة تقوم على المصالح المشتركة مع دول كبرى ونافذة كـ "الولايات المتحدة الأمركية" أو دول أوروبية أو حتى الصين أو روسيا، ولكن ليس بشكل فردي بل بشكل جماعي.

توصية

في ضوء استعراض التحدّيات والخيارات، يتضح أنّ الخيار المرجّح بالنسبة للأمن العربي في انتهاء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، هو الخيار الأخير الذي يدعو إلى إقامة حلف أو تحالف عربي إسلامي، وإذا تمكّن هذا الحلف أو التحالف نسج علاقات قويّة مع أيّة دولة كبرى، فإنّ ذلك يمكن أن يضمن الأمن العربي أو يجعله يواجه التحدّيات الحاضرة، غير أنّ هذا الحلف أو التحالف يحتاج أيضاً إلى تنقية العلاقات العربية وتجاوز بعض الخلافات الشكلية، كما يحتاج إلى مصالحات حقيقية تحصّن الداخل العربي واستثمار كلّ الطاقات ونقاط القوّة حتى لا تشكّل نقاط ضعف وخلاف تسمح باخترق الصف العربي وتشتيته.

بيروت في 15/3/2026م

الموافق له 26 رمضان 1447هـ


قائمة المصادر



[1]- صحيفة العربي الجديد، مقال: الحرب في المنطقة إيران تصعّد ونتنياهو يتراجع عن هدف إسقاط النظام، كاتب المقال:صابر علي عنبري – طهران، 13 آذار/مارس، 2026.

[2]- صحيفة الأخبار اللبناية، مقال: بزشكيان: لن نستهدف دول الجوار إلا إذا تعرّضنا لهجوم من أراضيها، صفحة عرب وعالم، السبت 7 آذار/مارس 2026.

[3]- صحيفة الشرق الأسط، مقال: الحكومة اللبنانية تحظر نشاطات حزب الله الأمنية والعسكرية، صفحة العالم العربي، 2 آذار/مارس 2026.

[4]- ثلاث جزر في الخليج استولت عليها إيران في العام 1971 بعد جلا القوات البريطانية منها، وقد كانت جزءاً لا يتجزأ من أرضي إمارة رأس الخيمة كما تؤكّد الوثائق البريطانية اعتباراً من العام 1888م.

[5]- اعترف كمال خرّازي رئيس المجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية الإيراني أمام المؤتمر الأول للسياسية الخارجية الإيرانية بخطأ تصدير الثورة إلى دول الجوار، صحيفة العربي الجديد، مقال: مسؤول إيراني كبير: أخطأنا كثيراً بحقّ الجيران من خلال تصدير الثورة، صابر غل عنبري – طهران، 8 شباط/فبراير 2026.

[6]- موقع الجزيرة القطري، مقال: 110 ايام من الحرب المستعرة على غز!ة .. هل حقّقت إسرائيل أهدافها؟، كاتب المقال: عبد الرحمن أبو العُلا، 25-1-2024.

[7]- موقع سكاي نيوز عربية، مقال: نتنياهو: نتبع خطة منهجية لتغيير واقع الشرق الأوسط، سكاي نيوز عربية – أبو ظبي، 30 أيلول/سبتمبر 2024.

[8]- موقع RT الروسي نقلاً عن صحيفة "تايمز أوف إسرائيل"، مقال: نتنياهو: أنا في مهمّة تاريخية وروحية زمرتبط بشدة برؤية "إسرائيل الكبرى"، 13 آب/أغيسطس 2025.