د. راشد الشاشاني*
السياسة زعيمٌ
ومغامرة ، إنّها ليست بموظّف وإدارة ...
ضربةٌ فتراجع ؛ إنّها فكرة سرقة شرعية ما أُخذ ، وفكرة
القضم التي تحدثنا عنها قبل نحو عامين و التي تنتهجها إسرائيل ، كي تتحوّل نقطة
الوصول هذه ، إلى محطّة الوقوف لا التوقّف " المشكور " من قبل الخصم ،
ومنطق الأهداف التي ظفر بالفوز بها . كما
سبق أن قلنا : إن الضربة أمريكية وليست إسرائيلية ، سيّما بعد السيطرة على قلعة
الشقيف ، لكنّ فواصل هذه الأحداث التي غابت عن نظر المراقبين تصرّح : بأنّ ترامب
يجرّب قدرات نتنياهو ؛ بعد إحباطه من نتائج الاعتماد عليها ، في حين يحاول نتنياهو إثبات جدارته أمام ترامب لتنفيذ مهمّاته
، وهو ما يقودنا إلى التنويه : إنّنا لم نتفق لحظةً مع فرضيّات تبعيّة ترامب
لأهواء نتنياهو التي يدين بها الجميع.
لم يصل حدّ التنسيق بين ترامب ونتنياهو " بحكم طبيعة الأشياء والمواقع " إلى
حدّ استيعاب نتنياهو لمحاولات إسقاط نتنياهوذاته ، التي تعمّق أزمة ترامب من جانب آخر ؛ بفعل ضغط الديمقراطيين من أجل
تحقيق هذا الاسقاط مع دعم تحالف بينيت -
لابيد ؛ قد تكون التسريبات حول تفاصيل
مكالمته مع ترامب ؛ قد تمّت بفعل قوة كهذه ، إن لم تكن من ترتيب الديمقراطيّين
ذاتهم .
بالعودة إلى ترتيبات ترامب ؛ التي تعتمد في هذه المراحل
ضرب إيران في خاصرة لبنان ؛ بطريقة إطلاق
يد نتنياهو للحظةً تحدّها عين المراقبة قبل لجمها بتوقيت محدّد ، اختار ترامب التعامل مع مشهد التفتيت هذا بطريقة استغربها
الجميع ؛ من خلال التواصل ـ ولو بطريقة غير مباشرة ـ مع حزب الله ؛ الذي
يصنّفه منظمّة إرهابيّة بواسطة نبيه برّي
؛ لا باعتباره رئيساً لمجلس النوّاب ، بل باعتباره وكيلا لحزب الله لا حليفا له ،
هنالك بالتأكيد فارق كبير بينهما لا مجال لتفصيله .
أمام عدم قدرة برّي على ضبط حزب الله - وفقا لما يعرفه
ترامب وخلافا لما صرّح به برّي ذاته - ذهب
ترامب في هذا الاتجاه ساعياً خلف شقّ الصفّ الدولي الداعم لملفّ لبنان ، بخاصّة
السعوديّة ، مصر ، وقطر ، متوسّلا في ذلك : اختيار طريقة كهذه ؛ تضمن عزل برّي
وحيداً منفصلاً ؛ بحكم - طبيعة سير الأمور - عن حزب الله اوّلاً ، ومحور الدعم
العربي ثانياً ؛ بحيث لا يمكنه الرجوع عودةً إلى الوراء بعد تقدّم هذا المسار ،
وما يعنيه كلّ هذا التركيب من فصل إيران عن كلّ محاولات تجميع الحلفاء ، أو
بالأقلّ قدرتها على إبعاد حلفاء الولايات المتحدة عنها .
لقد غافل ترامب العالم الذي ظنّ أنّه يريد إنقاذ مسار
التفاوض مع إيران ؛ بضبط سلوك نتنياهو من خلال صيغةٍ سحب فيها قبولاً جزئيّا
بتنازل كلّيٍّ من قبل حزب الله عن جانب ما
؛ وهو ما قلناه قبل عامين ، علاوة على
أنّه فوّت على إيران ؛ فرصة الوقوف في مكان أبعد من مكان حصارها الحالي ، الذي تقف
فيه عاجزةً عن تحريك مشهدها ، وهي تنتظر حركة كهذه تسير بها فوق أخطاء ترامب .
لهذا ؛ ليس غريباً أن تهدّد بوقف تبادل الرسائل مع
واشنطن ، لكنّ الغريب أنّ الدولة في لبنان
لم تفعل ذلك ، وهي تسال الجميع عن أوراق قوّتها ؛ في ذات الوقت الذي تحمل فيه هذه
الأوراق بين يديها ، فلو أنّ الدولة اللبنانيّة استخدمت حِذق السياسة ، وانتهزت
فرصة السيطرة على قلعة الشقيف ؛ وقرّرت وقف عمليّة التفاوض ، وأعلنت في ذات الوقت
: عن بدء عمليّات سحب سلاح حزب الله فورا ؛ لكانت غيّرت - خلال ساعات معدودة - وجه
سير العمليّة كاملة ؛ سيّما مع تعبيد الطريق الوعر ، أمام المدّ الدوليّ ، الذي تعثّر
في وعورة طريق المناورات وتلوّن المواقف .
في نصيحة جديدةٍ يمكننا توجيهها إلى الرئيس
اللبنانيّ نقول : انتهز هكذا فرص ، ولو احتاج الأمر تنسيقا مع
المحيط ، أو حتى حزب الله ذاته ، لكن وفقا لأصول السياسة .
*كاتب أردني
الآراء الواردة في المقال تعبّر عن صاحبها ولا تعبّر عن
"آفاق نيوز".