د. وائل
نجم
منذ
اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية – الإيرانية في الثامن والعشرين من شهر شباط
الماضي دخلت المنطقة، ومنها لبنان، في تحدّيات كبيرة تهدّد بخلط الأوراق وإنتاج
صيغ جديدة للمنطقة كلّها وللأقطار التي تتشكّل منها بانتظار جلاء غبار المعركة
التي ام تنتهِ بعد.
في لبنان
ومنذ الثاني من آذار 2026 حيث دخل جبهة الحرب من خلال احتدام المعارك بين حزب الله
وقوات الاحتلال الإسرائيلي على مدى أكثر من خمسين يوماً، واستمرار المواجهات
بوتيرة أقلّ بعد الحديث عن وقف لإطلاق النار في السابع عشر من نيسان، وجد لبنان
نفسه أمام جملة تحدّيات كبيرة تهدّد بمخاطر تصل إلى حدود زوال الكيان.
التحدّي
الأول بالنسبة للبنان تمثّل بالانقسام الداخلي حيال التعامل مع الحرب على الرغم من
الإجماع اللبناني على العداء لـ "إسرائيل". فالحكومة والرئاسة الأولى
رفضت استخدام الأراضي اللبنانية منطلقاً لشنّ عمليات وحرب لبنان ليس له فيها ناقة
ولا جمل، واعتبرت ما قام به حزب الله في هذا الإطار يخرج عن إطار القانون، واعتبرت
أنّ ذلك زجّ بلبنان في هذه المعركة وجرّه إليها، وقد اتخذت الحكومة قرارات صنّفت
فيها الجناح العسكري والأمني لحزب الله خارج إطار القانون وطلبت من الأجهزة
الرسمية وقف هذا الجناح.
في
المقابل رفض حزب الله هذه القرارات وهذا التصنيف، واعتبر أنّ ما قام به يدخل في
إطار الدفاع عن النفس وحماية للمواطنين بعد خمسة عشر شهراً من الانتهاك الإسرائيلي
الدائم لقرار وقف النار في 27 تشرين الثاني /نوفبر 2024. وظلّ الحزب يمارس إطلاق
الصواريخ والمسيّرات نحو قوات الاحتلال سواء في المناطق الجنوبية التي احتلتها أو
في شمال الأراضي الفلسطينية المحتلة، وصولاً للحديث عن وقف إطلاق النار بين
الجانبين والأمريكي والإيراني، وتالياً بين قوات الاحتلال ولبنان. وقد أثارت هذه
المواقف من الطرفين الرسمي وحزب الله انقساماً راح يهدّد في بعض الأحيان بخروج
الأمور عن نطاق السيطرة، وأوجد تحدّ كبير أمام الطرفين.
التحدّي
الآخر المرتبط بالتحدّي الأول تمثّل باقتراح لبنان الرسمي الدخول في مفاوضات
مباشرة مع حكومة الاحتلال في مقابل رفض حزب الله تلك المفاوضات واعتبار ذلك نوعاً
من التنازل والاستسلام، كما شدّد الحزب على أنّه غير معني بنتائج هذه المفاوضات.
وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى عقد اجتماعين في واشنطن برعاية أمريكية وحضور
مباشر للسفيرين اللبناني والإسرائيلي في هذين الاجتماعين، وقد تمخّض عن ذلك إعلان
وقف إطلاق النار وتراجع حدّة المواجهات والمعارك. برز هذا الموقف من كلّ طرف
كتحدٍّ مهمّ في هذه المرحلة، وأوجد حالة من الاستقطاب الداخلي بين الأطراف
السياسية. ففي لحظة أكّدت الحكومة والرئاسة الأولى أنّ ما يعنيها من المفاوضات هو
وقف الحرب ونزف الدماء والدمار والحفاظ على الأرواح، يرى حزب الله أنّ التفاوض
سيقود إلى تنازلات كبيرة تحت ظلال العدوان المستمر.
التحدّي
الثالث تمثّل في إعادة الأمن والاستقرار للداخل اللبناني، ووقف الحرب المفتوحة
والمتواصلة بأشكال متعددة، وإعادة النازحين إلى قراهم وبلداتهم، وإعادة إعمار القرى
والبلدات التي تهدّمت بفعل الحرب، واستعادة الأسرى، والتركيز من جديد على معالجة
الأزمة الاقتصادية وبناء مؤسسات الدولة. وهذه عناوين دونها مصاعب وعقبات كبيرة
جداً.
التحدّي
الرابع يتمثّل في وصل ما انقطع على مستوى العلاقات الداخلية اللبنانية في ضوء بلوغ
حالة الانقسام والتموضع مبلغ التشكيك والتخوين المتبادل، وإيجاد حلول لأزمات نشأت
بفعل الحرب ومنها بعض القرارات التي صدرت عن جانبي الانقسام. وفي هذا الإطار يبرز
موضوع كيفية مواجهة الأطماع الإسرائيلية بلبنان من ناحية، وكيفية طمأنة اللبنانيين
بحيث لا يتمّ أخذ لبنان إلى ساحات ومواجهات بقرارات منفردة خارج إطار المؤسسات
الرسمية كما لو أنّ لبنان أسير لإرادات خارجية. إنّ هذا التحدّي يستدعي من الجميع
الشروع في حوار جدّي حقيقي يحصّن لبنان في مواجهة الأطماع والتحديات من ناحية،
ويعزّز قيام دولة المؤسسات والقانون من ناحية أخرى، بحيث يستفيد الوطن من نقاط
القوّة التي يتمتّع بها من جهة، ويحول دون استئثار فريق أو جهة بقرارات مصيرية
تتعلّق بكل البلد. ولعلّ مواجهة هذا التحدّي وإيجاد حلّ له يشكّل مفتاح مواجهة
التحدّيات الأخرى السابقة وإيجاد الحلول لها.
قد يكون
هناك تحدّيات أخرى أقلّ شأناً، لكنّ المطلوب اليوم التركيز على هذه التحدّيات
الداهمة وتعزيز المساحة المشتركة بين الجميع لإنقاذ الوطن، لأنّ منطق المواجهات
الأخيرة كشف أنّ كلّ طرف بات يعمل على "تقليع شوكه بيده".
الآراء الواردة في المقال تعبّر عن صاحبها ولا تعبّر عن
"آفاق نيوز".