د. وائل
نجم
يبدو أنّ
الغيوم تعود لتتلبّد في سماء المنطقة، ومنها لبنان، من جديد. فلا مذكرة التفاهم
بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران تسير وفق بنودها من أجل إنهاء الحرب وإيجاد
الحلّ، ولا اتفاق الإطار الذي وقّعه لبنان ودولة الاحتلال الإسرائيلي يحظى برضا
وقبول كلّ الأطراف في الداخل اللبناني فضلاً حتى عن الاحتلال، ويبدو تطبيقه
متعثّراً لأسباب عديدة وكثيرة ليس محل ذكرها الآن، والخروقات مستمرة ومتواصلة
ومتصاعدة سواء لناحية مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية وقد كان آخر هذه
الخروقات، قبيل كتابة هذه السطور، تعرّض سفن تجارية قطرية وسعودية لاعتداءات من
مسيّرات في الجانب العُماني من مضيق هرمز، وقيل إنّ المسيّرات إيرانية وانطلقت من
الشواطئ الإيرانية، وقد وجّهت وزارة الخارجية القطرية ومثلها السعودية الاتهام
لإيران وحرسها الثوري بالوقوف خلف "الاعتداء" بينما نفت الخارجية
الإيرانية ذلك. وفي خرق مماثل لمذكرة التفاهم ردّت القوات العسكرية الأمريكية
بسلسلة غارات جوية قالت إنّها استهدفت مقرّات عسكرية وأنظمة دفاع جوي وقواعد
صواريخ إيرانية قي بعض الجزر المطلّة على مضيق هرمز، وقد استدعى ذلك استنفاراً من
الجانب الإيراني وتحذيراً من توسّع الردّ والردّ المضاد بما ينذر بخروج الأمور عن
نطاق السيطرة.
وفي
لبنان سُجّل أيضاً خروقات يومية تقوم بها قوات الاحتلال لاتفاق وقف إطلاق النار أو
خفض التصعيد وبالتالي لاتفاق الإطار، وظلّت الأمور تراوح عند البحث عن المناطق
التجريبية التي سينسحب منها الاحتلال وسيستلمها الجيش اللبناني من دون تسجيل أي
تقدّم حقيقي في هذا المجال، بل على العكس هناك تصريحات إسرائيلية تتوعد بالبقاء في
جنوب لبنان، وتوسيع الاعتداءات في أيّة لحظة تقدّرها قوات الاحتلال أنّها في
صالحها، وبما يُنذر أيضاً بخروج الأمور عن نطاق السيطرة.
إقرأ أيضاً : دمشق .. تفجيرات أمنية بنكهة سياسية!
إذاً،
الأمور تشي أنّها في ظلّ هذا الانسداد والتصلّب في المواقف وتصاعد لهجة التحدّي من
جديد ذاهبة إلى مواجهة جديدة وقد تكون أعنف من المواجهات السابقة، فهل هناك فرصة
للجم هذه الاندفاعة نحو المجهول مرّة أخرى؟ أم أنّ المواجهة وعودة الحرب مرّة أخرى
باتت أمراً لا مفرّ منه؟!
الحقيقة
أنّ المواجهات السابقة سجّل فيها كلّ طرف وفريق نقاطاً على الطرف والفريق الآخر،
وهو ما جعله يفسّر الأمر كما لو أنّه انتصر وحقّق نصراً ساحقاً لصالحه، أو على أقل
تقدير رأى أنّ النصر الذي كان يحلم به ويتمناه ولم يتحقّق في الجولة السابقة يمكن
أن يتحقّق في جولة قادمة، خاصة وأنّ كلّ طرف بات يرى الطرف الآخر وكأنّه وصل إلى
حالة من الانهيار وعدم القدرة على خوض مواجهة جديدة، بمعنى آخر بات يرى أن المعركة
معركة "عضّ أصابع" لمعرفة من يقول "آخ" أولاً وهذا ما يفسّر
التصلّب في المواقف ورفع منسوب التحدّي ورفض أيّة مبادرات حقيقية لخفض التصعيد
وصولاً إلى حلول تنهي الحرب فعلاً. وبهذا المعنى، المنطقة باتت فعلاً أمام احتمال
تجدّد الحرب وعودتها في لبنان أو على إيران.
الجميع
يدرك أنّ رئيس حكومة دولة الاحتلال الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، رفض مذكرة
الاتفاق الأمريكية الإيرانية وعمل على إفشال الوصول إليها، ويعمل على إفشالها
وإسقاطها، وقد استجاب لبعض المطالب الأمريكية المتصلة بالمذكرة أو بلبنان تحت
الضغط الأمريكي، غير أنّه لم يسقط من حساباته إفشال المذكرة وربما يبدأ بذلك من
لبنان وإفشال اتفاق الإطار أيضاً الذي وقّع عليه تحت الضغط الأمريكي، وذلك من خلال
اقتناص الفرصة في أيّة لحظة سانحة له لإعادة إطلاق الحرب من جديد على حزب الله في
لبنان، لأنّه يعتبر أنّ أيّ حلّ جذري لقضية الهدوء على الجبهة الشمالية يستدعي
القضاء على قدرات حزب الله وعلى تواجده قرب الحدود، ويعتبر أيضاً أنّ القضاء على
هذه القدرات يستدعي الدخول إلى مناطق معيّنة في الجنوب والبقاع، خاصة مثل تلة
"علي الطاهر" قرب النبطية وربما بعض المناطق الأخرى في البقاع الغربي
وجزين، وصولاً ربما حتى الضاحية الجنوبية لبيروت. كما يعتبر أنّ هذه الفترة
الزمنية تكاد تشكّل أفضل الفرص للقيام بهذه المهمّة، ولذلك يمكن أن يطلق شرارة
الحرب من جديد إذا ما وجد الفرصة سانحة لذلك، وهي مرتبطة بما يمكن أن يحدث بين
الولايات المتحدة الأمريكية وإيران.
وعلى هذه
الجبهة الأخيرة التي تنظر إيران إليها على أنّها حقّقت نصراً وفرضت إرادتها فيها،
ويرى ترامب أنّه دمّر قدرات إيران العسكرية، تتجه الأمور إلى التصعيد المتدرّج.
فالحرس الثوري الإيراني يحاول أن يكرّس معادلة الاستحواذ على مضيق هرمز بشكل كامل،
ويعمل على فرض إرادته وشروطه في المضيق، وهو ما يؤثّر على العالم بأسره، وهو ما لن
تقبل به أميركا بأيّ شكل من الأشكال لأنّه يمثّل تحدّياً لها كزعيمة للنظام
الدولي، ولمصالحها حيث يمكن لإيران أن تتحكّم بهذه المصالح إذا ما تمكّنت من فرض
إرادتها على المضيق؛ وبالتالي فإنّ الولايات المتحدة لن تقبل بأيّ شكل استفراد
إيران بالتحكّم بالمضيق وباقتصاد العالم، ومن هنا يمكن أن يشهد العالم جولة جديدة
من الحرب بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، خاصة وأنّ الاستعداد لدى الطرفين
بلغ مبلغه، ويبقى التوقيت حيث تشير بعض التقديرات إلى أنّ الجولة الجديدة قد تبدأ
بعد انتهاء "المونديال" بشكل مباشر.
هل يمكن
للعالم أن يتفادى هذه الحرب ويمنح فرصة جديدة للتسوية والسلام؟ هذا مرهون بقرار
القيادات المعنيّة في الأطراف المتقاتلة، ويبدو أنّ أصحاب القرار عند الجميع
يغلّبون الجانب الأيديولوجي على أيّ اعتبار آخر له علاقة بالمصالح، وبالتالي
يأخذون المنطقة، وربما العالم، إلى مصير مجهول.
الآراء
الواردة في المقال تعبّر عن صاحيها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".