في بيتي... حرامي!
تموز 05, 2026

د. طارق الهاشمي 

"عندما يصبح الفساد عارضًا لمرضٍ أعمق في بنية الحكم ".

أقسى أنواع السرقة ليست تلك التي يرتكبها لصٌّ يتسلل ليلًا إلى بيتك ويغادر خلسة.

الأقسى منها أن تكتشف أن السارق يعيش معك تحت السقف ذاته… يعيش على خيرات هذا البيت، مؤتمن على حمايته، ثم تكتشف أنه يمد يده خلسة إلى خزائنه !!!

هذه هي المأساة التي يعيشها العراقي اليوم.

فالقضية لم تعد مجرد أموال عامة نُهبت، أو عقود شابتها شبهات، أو حسابات مصرفية تضخمت بصورة غير مشروعة. القضية تجاوزت ذلك إلى ما هو أخطر:

"اهتزاز ثقة المواطن بمؤسسات الدولة ذاتها ".

حين يصبح المسؤول الذي أقسم على حماية المال العام أول المعتدين عليه، فإن الجريمة لا تكون مالية فحسب، بل أخلاقية ووطنية وسياسية ….

نحن هنا لا نتحدث عن فساد عابر، ولا عن حالات فردية معزولة.

نحن أمام ظاهرة تمددت حتى لامست مفاصل الدولة كافة.

ظاهرة أعادت تشكيل العلاقة بين السلطة والمال على أسس مشوهة، حتى بات المنصب عند البعض مشروعًا استثماريًا، لا مسؤولية وطنية.

وبمرور الزمن، تشكلت شبكات معقدة من المصالح والنفوذ، لم تعد تقتصر على موظف مرتشٍ أو مدير مختلس، بل أصبحت منظومات كاملة تعرف كيف تستحوذ، وكيف تحمي نفسها، وكيف تُخفي الأدلة، وكيف تقمع من يقترب منها، وكيف تفلت من العقاب !!!

وهنا ينبغي قول الحقيقة كما هي:

الفساد في العراق ليس مجرد انحراف أفراد…

بل هو نتيجة طبيعية لبيئة سياسية وإدارية وقضائية… أنتجته ورعته وحمته.

وهذا يقودنا إلى السؤال الجوهري:

هل المشكلة في الفاسدين وحدهم؟

أم في النظام الذي سمح لهم بالصعود ووفر لهم الفرص للإثراء الحرام … أصلًا؟

في تقديري، المشكلة أعمق من الأشخاص.

نحن أمام خلل بنيوي في نظام الحكم.

نظامٌ قدّم الولاء على الكفاءة.

والمحاصصة على المهنية.

والفوضى على الانضباط،

فكانت النتيجة أن تحولت مؤسسات الدولة من أدوات خدمة عامة إلى ساحات نفوذ و كانتونات وتقاسم مصالح.

حين تُدار الدولة بعقلية الحصص، والنفعية الشخصية او الفئوية، وتعدد الولاءات، يصبح الفساد نتيجة حتمية.

وحين تُضعف الرقابة، وتنعدم المحاسبة، وتُربك المؤسسات بتدخلات السياسة وفتاوى ما انزل الله بها من سلطان !!، فإن النهب لا يعود استثناءً… بل يتحول إلى ممارسة مألوفة وظاهرة شائعة …لهذا لم يعد غريباً ان تسمع بالأموال المنهوبة بارقام فلكية ! المليارات والتريليونات !!! في أحد لقاءاته المتميزة ذكر الراحل احمد الجلبي ان العراق فقد 450 مليار دولار لا احد يعرف اين ذهبت ! خلال حكومتين فقط مابين 2006-2014 !!! وماخفي اعظم.

ليست الأرقام المنهوبة لوحدها صادمة ! انما تواصل النهب بسلاسة ويسر ودون معوقات !! كأن العراق حديث عهد بالحكم وما هو بذلك بالطبع !

ظاهرة الفساد غريبة علينا كعراقيين، وهي لا تنسجم وإرث العراق منذ تأسيس دولته الحديثة.

وكان قد أنجب رجال دولة من طراز رفيع:

*عرفنا ملكًا ضاقت به الحال حتى ناشد وزير ماليته أن يبكّر بدفع راتبه الشهري لحاجته !!

*وعرفنا زعيمًا اغتيل، ولم يجدوا في جيبه سوى 160 دينارًا !!

*ورئيسًا غادر الوطن مضطرا، يناشد مرافقه وهو على وشك المغادرة مساعدته بالحصول على راتبه التقاعدي لانه لايملك المال للعيش في الغربة !!

*وعرفنا رئيس وزراء كرّم موظف تدقيق مالي لأنه رفض تحميل الموازنة العامة مصاريف الشاي والقهوة التي كانت تُقدَّم لضيوفه في مكتبه.

هذا غيض من فيض، وسرد حقيقي لتأريخ رجال، وليست حكايات رومانسية من الماضي.

إنها شواهد على أن الدولة العراقية عرفت زمنًا كان فيه المنصب تكليفًا لا تشريفاً و خدمة للمواطن لا صفقة للثراء.

وعرفت مسؤولين كانوا يخشون المساس بالمال العام كما يخشون المساس بالشرف.

ولهذا كان العراق قويًا.

كانت الدولة مهابة وكان القرار محترمًا.

وكانت للمؤسسات قيمة حقيقية،

أما اليوم، فقد بلغ الانحدار حدًا يجعل المواطن يتساءل بمرارة:

من يحرس المال العام ؟ إذا كان الحارس نفسه موضع اتهام؟

ومن يحمي الدولة إذا كانت بعض أدواتها مستباحة من الداخل؟

إن أي حملة لملاحقة الفاسدين — مهما كانت جادة وشملت غداً الحيتان الكبار وهي لم تمسهم بعد — لن تكون كافية إذا بقيت المعالجة محصورة في الأشخاص.

القبض على هذا، ومحاسبة ذاك، واستبدال أسماء بأسماء… قد يكون له أثر لكن يبقى محدودًا، لانه لا يعالج أصل الداء !.

لأن المشكلة ليست في الثمار الفاسدة فقط…

بل في التربة التي أنتجتها، والبيئة التي رعتها وحمتها …

ولهذا فإن العراق اليوم لا يحتاج إلى معالجات تجميلية، ولا إلى ترقيع مؤقت، ولا إلى حلول موضعية.

إنه بحاجة إلى مراجعة شاملة.

مراجعة جريئة وصريحة لمنظومة الحكم كلها.

مراجعة لطبيعة النظام السياسي.

لآليات توزيع السلطة.

لبنية الرقابة والمساءلة.

للعلاقة بين السياسة والإدارة.

وللقواعد التي سمحت أصلًا بتغلغل الفساد إلى هذا العمق.

ثم بعد المراجعة، لا بد من تصحيح شامل.

تصحيح يعيد تعريف الوظيفة العامة بوصفها خدمة لا غنيمة.

ويعيد هيبة القانون.

ويغلق أبواب الإفلات من العقاب.

ويؤسس لدولة مواطنة ومؤسسات لا دولة محاصصة ومحميات وإقطاعيات، ونظام هجين يشوه مقتضيات الحكم وفق مفهوم الدولة المدنية كما وصفها الدستور.

عندها فقط يمكن أن تبدأ معركة استعادة العراق.

أما من دون ذلك، فسنظل ندور في الحلقة نفسها…

نغيّر الوجوه، بينما تبقى الآليات التي صنعت الكارثة تعمل بكفاءة.

وعندها ستظل العبارة المؤلمة:تختصر المشهد كله:

في بيتي… حرامي !!!

كم نحن مصدومون، متألمون …ونشعر بالخزي أمام العالم ….!

المصدر : صحيفة الشرق القطرية

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".