د. وائل
نجم
خلال
نهاية الأسبوع الماضي تصاعد الحديث عن احتمال توقيع اتفاق لإنهاء الحرب بين
الولايات المتحدة الأمريكية وإيران بعد الوساطة الباكستانية التي تولّاها قائد
الجيش الباكستاني المشير عاصم منير، والتي تمكّن خلالها من تدوير العديد من
الزوايا بين الطرفين اللذين كانا يتمسّكان بموقفيهما من الشروط والشروط المضادة
كما لو أنّ أيّاً منهما قد أحرز النصر الكامل ويريد أن يفرض شروط الاستسلام على
الطرف الآخر.
غير أنّ
أمراً ما قد طرأ لدى كليهما أعاد الحديث عن الشروط والتصعيد، وأرجأ التوقيع على
الاتفاق الذي تمّ التوصّل إليه إلى أجل غير معلوم حتى الآن، وإن كانت الأجواء توحي
أنّه لا عودة كاملة إلى الوراء أو إلى أجواء الحرب.
ما
يعنينا في لبنان هو السؤال، ماذا عنّا وعن جبهة لبنان مع الاحتلال الإسرائيلي الذي
يتوسّع كلّ يوم في الأراضي الجنوبية بغض النظر عن حجم الصمود والمواجهة التي
تكبّده الخسائر وتثبت له بما لا يدع مجالاً للشكّ أنّ كلفة التوغّل والتقدّم
والاحتلال والبقاء ليست بسيطة، بل كلفة عالية ومرتفعة.السؤال : هل ستتوقف الحرب
على الجبهة الجنوبية، بل اللبنانية؟ أم ترى هذه الجبهة ليست مشمولة بأيّ اتفاق
لوقف النار واستعادة الهدوء؟!
من جهتها
قوات الاحتلال وحكومتها تشدّد على أنّ أيّ اتفاق أمريكي إيراني لا يعنيها في
لبنان، وهذه الجبهة ليست مشمولة له، بل حتى جبهة إيران مع "إسرائيل" غير
مشمولة به، ولـ "إسرائيل" حقّ الاحتفاظ بالردّ أو مباشرة التعامل مع أيّ
خطر تشعر به أو يمكن أن يهدّد أمنها، وهذا يعني أنّها لا تريد لأميركا أن تبرم أيّ
اتفاق من أيّ نوع من إيران، فضلاً عن أنّها لا تريد لإيران أن تمسك بالقرار
اللبناني، أو أن تربط بينها وبين لبنان لتُبقي على لبنان ورقة تستخدمها عند كلّ
منعطف بحسب العقل الإسرائيلي.
في مقابل
ذلك فإنّ إيران تريد أن تُبقي على نوع من الارتباط بينها وبين حزب الله في لبنان
لأنهاء الحرب في كلا البلدين؛ أولاً انطلاقاً من مبدأ أخلاقي حيث وقف حزب الله إلى
جانبها في هذه المعركة وفتح الجبهة من جنوب لبنان مع فلسطين المحتلة، وأنّ أيّ
تخلِّ عن حزب الله في هذه المرحلة هو بمثابة نحْر له مع الأخذ بعين الاعتبار
الارتباط العضوي بينهما. وثانياً لأنّ تخلّيها عن لبنان يعني فقدانها لساحة إسناد
أساسية وقويّة وبالتالي فقدان أحد أوراق القوّة في مفاوضاتها مع أميركا، ولذلك
تشدّد دائماً على ارتباط الساحات والملفات، وتصرّ على وقف الحرب على كلّ الجبهات،
لا سيّما لبنان، ولكنّها قد تصل إلى مرحلة إذا اشتدت الضغوط عليها فقد تتنازل
نسبياً عن هذا الشرط إذا كان هذا الشرط سيفسد الاتفاق النهائي مع أميركا، خاصة
وأنّها لا تتحدث عن ساحات أخرى لوقف الحرب فيها أو عليها كما في الحالة الفلسطينية
أو في حالة قطاع غزّة على وجه التحديد.
بالنسبة
للبنان الرسمي المتمثّل بالرئاسة الأولى والحكومة فإنّهما اتخذا مسار المفاوضات
المباشرة مع "إسرائيل" برعاية الولايات المتحدة الأمريكية لوقف الحرب
وتأمين الانسحاب الكامل للاحتلال وإعادة النازحين والإعمار. بالنسبة للموقف الرسمي
يرفض مصادرة القرار اللبناني من أيّ طرف، وهنا يجري الحديث عن إيران تحديداً حتى
لا يظلّ أو يتحوّل لبنان إلى ساحة وإلى بيدق في المفاوضات. بينما يعلّق حزب الله
الأمل على الموقف الإيراني في المفاوضات من أجل وقف الحرب وإنهاء القتال والتحوّل
إلى مسار آخر. وهنا تكمن المشكلة في التباين اللبناني بين الدولة من جهة، وبين حزب
الله من جهة ثانية لناحية مقاربة ملف الخروج من هذه الدوّامة أو هذا العنف المفرط
من قبل "إسرائيل"، ومن وقف إطلاق النار أو إنهاء الحرب.
مما لا
شكّ فيه أنّ هذا التباين إذا تحوّل إلى شجار وخلاف داخلي لن يخدم لا لبنان الرسمي
ولا حزب الله فيه، بل سينعكس سلباً على الفريقين؛ أمّا إذا جاء التباين في سياق
توزيع الأدوار، ولو بطريقة غير رسمية أو متفق عليها، فإنّه عند ذلك سيكون في مصلحة
لبنان بكل أطيافه وقواه، لأنّ لبنان الدبلومسي الذي يفاوض في واشنطن بحاجة إلى
أوراق قوّة محلية وغير محلية لاستخدامها خلال عملية التفاوض مع التشديد والتأكيد
على استقلالية وسيادة القرار اللبناني؛ ولبنان المقاوم يحتاج إلى الجهد الدبلوماسي
لأنّ أغلب وأكثر المعارك والحروب تنتهي على طاولة المفاوضات، وحتى لا ينصبّ الجهد
الوطني في صالح غير الجهات الوطنية، فإنّ لبنان المقاوم يحتاج أيضاً إلى الجهد
الدبلوماسي والقرار السيادي المستقل، فإذا ما تعامل لبنان الرسمي ولبنان المقاوم
مع مرحلة التفاوض الكبرى بين أميركا وإيران لإنهاء الحرب والخروج منها من أجل
إنهاء الحرب في لبنان فإنّ لبنان سيدفع الثمن ولن يكون مشمولاً بأيّ اتفاق خارجي،
وإذا ما تمّ التفاهم على مواجهة هذه المرحلة بتفّهم ونظرة واقعية للمستقبل ولمصلحة
البلد، فإنّ فرص إنهاء الحرب في لبنان ستكون أفضل ولصالح الوطن.
الآراء الواردة في المقال تعبّر عن صاحبها ولا تعبّر عن
"آفاق نيوز".