ميزان الشرع لمعالجة أزمة لبنان
حزيران 22, 2026

د. وائل نجم

صريحاً، واضحاً وشفّافاً كان الرئيس السوري، أحمد الشرع، في حديثه عن الوضع الذي يمرّ به لبنان، والأهمّ من ذلك مسؤولاً، بكلّ ما تعنيه الكلمة من معنى، في ظلّ الحديث الأمريكي عن الاستعانة بسوريا من أجل حصار حزب الله وربما القضاء عليه.

الرئيس الشرع الآتي من ثورة شعبية بذلت الغالي والرخيص من أجل التخلّص من الاستبداد والظلم، ومن خلفية تجعل ميزان الشرع حاكماً على سياساتها كي لا تقع في محظور أو تكون وقوداً لمصالح وأهداف خارجية، أو حتى لأطماع متوهّمة ومشاريع مشبوهة، قدّم مقاربة تنمّ عن شعور بالمسؤولية تجاه بلده سوريا أولاً، وتجاه لبنان وهو الجار الأقرب لها، وتجاه الأمّتين العربية والإسلامية؛ وتتصف بحكمة عالية لا تخضع لمنطق الثأر أو الاستقواء فدحضت كلّ الأوهام والخرافات التي كانت تسوّق سابقاً زوراً وبهتاناً وتدلّ (تلك الأوهام) إن دلّت على شيء على نوع من الخفّة إن لم نقل على موروث لا يمتّ إلى الواقع بصلة؛ وتتمتّع (المقاربة) بوعي كبير للمخاطر التي تحدق بالمنطقة وأهلها فرفض، على طريقته، أن يكون وقوداً لمشاريع تخدم أهداف الآخرين المتربّصين بالمنطقة وأهلها سوءاً، في لحظة تاريخية سانحة للثأر من الماضي وما حمله، غير أنّها لحظة يمكن أن تدمّر مستقبل المنطقة برمّتها.

خلال الأيّام الأخيرة تكرّر الحديث الأمريكي أكثر من مرّة عن تفويض الحكومة السورية التدخّل في لبنان من أجل القضاء على حزب الله ظنّاً من أصحاب هذا الحديث أنّ هذا التفويض سيدغدغ مشاعر القادة السوريين ويفتح شهيّتهم للانتقام والثأر من الحزب على خلفية مشاركته في الحرب السورية إلى جانب النظام البائد ضد ثورة الشعب السوري، غير أنّ قادة سوريا أثبتوا أنّهم لا يلتفتون إلى الماضي من دون أن يُسقطوه من ذاكرتهم لأنّها لا تشبه ذاكرة السمك، بل لأنّهم يتطلعون إلى بناء المستقبل، مستقبل سوريا ولبنان والمنطقة معاً، ولذلك جاء في كلام الشرع وميزانه أنّه مستعد لطرح مقاربة من أجل معالجة الوضع في لبنان على قاعدة مساعدة الدولة ومؤسساتها في القيام بما يعزّز الاستقرار والهدوء وإنهاء الحرب في لبنان، وليس على قاعدة التدخّل العسكري الذي يمكن أن يتحوّل إلى محرقة للبنان وسوريا معاً خدمة لأجندات ومصالح أخرى لا تمّت إلى البلدين بخير.

إقرأ أيضاً : حرب اللامنتصرين!

لقد اكّد الرئيس الشرع في مقابلته مع قناة "المشهد" على استعداده للقيام بأيّة خطوة إذا كانت في مصلحة سوريا ولبنان معاً، وبما يحفظ النسيجين اللبناني والسوري، وبما يعزّز من العلاقات بين الدولتين والشعبين، حتى لو تطلّب ذلك طي بعض صفحات الماضي الأليمة، وهذا بالمناسبة ليس أمراً سهلاً وبسيطاً، ولكنّها المسؤولية والحكمة والوعي، فهل تبادر الأطراف المعنية في لبنان إلى ملاقاة هذه المقاربة من أجل إنقاذ الموقف وإخراج لبنان من الوضع الراهن الذي يعانيه؟! هل يمكن الإفادة من هذه الفرصة لبناء دولة حقيقية لكلّ اللبنانيين تتمتّع بسيادة حقيقية ومستقبل يسوده الأمن والازدهار على قاعدة أفضل العلاقات مع العمق العربي والإسلامي ومن منطلق النديّة الكاملة؟! أم ترى يمكن أن يضيّع البعض هذه الفرصة مسكوناً بهواجس أو أوهام أو حتى طموحات غير واقعية؟!

إنّ مستقبل لبنان الحقيقي هو في أفضل العلاقات مع عمقه العربي، ولا سيّما سوريا، وعلى قاعدة العلاقة من دولة إلى دولة عبر المؤسسات المعتبرة، وهو المطروح حالياً؛ وإنّ أفضل ضامن وحام للبنان في ضوء التجارب التي مرّت خلال العقدين الأخيرين هو الحاضنة العربية التي لا تجور على لبنان فتنتهك سيادته ولا تجيّر لبنان لمصالحها وأهدافها الخاصة فتستخدمه ساحة دونما أيّ اعتبار لمصالحه أو لمصير ومستقبل شعبه وأهله، وإنّ مقاربة الرئيس الشرع الأخيرة تسهم إلى حدّ بعيد في تطوير وتحديث العلاقة بين سوريا ولبنان من أجل مصلحة البلدين والشعبين وبما يضمن المستقبل والسيادة لكليهما.

الآراء الواردة في المقال تعبّر عن صاحبها ولا تعبّر عن "آفاق نيوز".